آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-12:13ص

من الحرب المباشرة إلى إدارة الصراعات الداخلية: هل يتجه العقل الاستراتيجي الأمريكي ـ الإسرائيلي نحو إعادة هندسة توازنات الشرق الأوسط؟

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 01:34 م
د. جمال الهاشمي


شهدت الاستراتيجية الغربية عموما والأمريكية والإسرائيلية خصوصا تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة.

فبعد أن كانت الحروب التقليدية المباشرة هي الأداة الرئيسية لإعادة تشكيل البيئة الإقليمية أصبحت الكلفة السياسية والاقتصادية والبشرية لهذه الحروب مرتفعة إلى درجة دفعت صناع القرار إلى البحث عن أدوات أكثر فاعلية وأقل تكلفة حيث تراجعت مكانة كل من إسرائيل وأمريكا دوليا ووجدا معارضة شعبية وسياسية حتى من حلفائهم الأوروبيين.

ومن هنا برز نموذجا جديدا لادارة الصراعات عبر الفاعلين المحليين وتوظيف التناقضات الداخلية والإقليمية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.

وفي هذا السياق يمكن قراءة التطورات الجارية في المنطقة باعتبارها جزءا من انتقال محتمل من استراتيجية المواجهة العسكرية المباشرة مع القوى المناوئة إلى استراتيجية تفكيك بيئاتها الحاضنة وإعادة توجيه مراكز القوة داخل المجتمعات والدول نفسها.

فبدلا من خوض حرب شاملة ضد خصم إقليمي كإيران أو تركيا أو مصر يمكن تحويل الهدف المباشر عبر أدوات محلية غير مباشرة من خلال دفع قوى محلية إلى احتواء الخصوم أو استنزافها من الداخل أو من خلال الدول الإقليمية المحيطة .

وتكتسب بعض التصريحات الأمريكية الأخيرة أهمية خاصة في هذا الإطار إذ دعا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرئيس السوري أحمد الشرع إلى الاضطلاع بدور أكبر في مواجهة حزب الله وهو ما يمكن النظر إليه بوصفه مؤشرا على توجه استراتيجي أوسع يقوم على نقل عبء المواجهة من إسرائيل إلى الفاعلين المحليين والإقليميين. مع أن إسرائيل تسيطر على منطقة الجولان واستمرت تدخلاتها في ضرب المعدات العسكرية السورية ومعسكراتها لضمان عدم تشكيل قوة سورية قوية تهددها أو تجعل منها خصما قادرا على استعادة أراضيها المحتلة هذا من جهة وحتى لا تقف أمام مطامعها التوسعية في اراض سوريا من جهة أخرى .

كما أنها تمكنت من قبل من توظيف حركة التحرير الفلسطينية لمواجهة حماس حتى تمكنت أخيرا من السيطرة على غزة والضفة بأقل التكاليف المتوقعة .

ووفق هذه الرؤية لا يعود المطلوب بالضرورة أن تخوض إسرائيل بنفسها جميع حروبها بعد تجربتها مع إيران والمقاومة في غزة وحزب الله في لبنان لأن ما كان مخطط له في العقل الحربي وجد تحديات واقعية جعل الفجوة بين النظرية والواقع أكثر اتساعا وهو ما دفع العقل الحربي الصلب إلى اتباع دبلوماسية أخرى وهو أن تتولى دول المنطقة وقواها السياسية والعسكرية إدارة الصراعات التي كانت تدار سابقا عبر المواجهة المباشرة معها.

وعلى أساس هذه القاعدة التحولية قد ينظر إلى الضغوط السياسية والأمنية في لبنان بوصفها محاولة لتعزيز دور الدولة ومؤسساتها العسكرية في مواجهة نفوذ حزب الله بما يؤدي تدريجيا إلى نقل الصراع من كونه مواجهة إسرائيلية ـ لبنانية إلى كونه صراعا داخليا حول احتكار السلاح والقرار السيادي.

كما يمكن النظر إلى أي دور سوري محتمل في هذا الملف باعتباره جزءا من إعادة توزيع الوظائف الأمنية في الإقليم بحيث تتحول بعض القوى العربية إلى أطراف فاعلة في احتواء القوى التي كانت تشكل جزءا من محور المواجهة مع إسرائيل لا سيما وأن القواعد الأمريكية في المنطقة رغم أهميتها لم تتمكن من جر الدول الحاضنة لها إلى المواجهة لا سيما وأن التفكير الأمريكي يحاول تطبيق النمط ذاته الذي طبقه في أفغانستان والعراق عبر تجنيد موارد وقدرات العالم الإسلامي البشرية والمادية.

أما في العراق فإن السيناريو الأكثر حساسية يتمثل في إعادة تنشيط التناقضات السياسية والطائفية والقومية التي لم تحسم جذريا منذ عام 2003 وعلى مدار تعاقب عدة حكومات عمدت على تقاسم قدرات الدولة ومواردها بدلا من اعامة تدويرها في انتاج الدولة العادلة والقاعدة الحضارية لمفهوم القوة العربية .

وكلما تصاعد التنافس بين القوى الشيعية أو بين المركز والأطراف أو بين العرب والأكراد تقل قدرة العراق على التحول إلى قوة إقليمية متماسكة.

وفي مثل هذه البيئات يصبح الصراع الداخلي بديلا عن الصراع الخارجي وتتحول الانقسامات المحلية إلى أدوات لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

وفي تركيا يبرز العامل الكردي باعتباره أحد الملفات القابلة للاستثمار الجيوسياسي من قبل قوى متعددة إضافة إلى الحراك العقائدي والقومي داخل الدولة حيث تتجلى سلسلة من النزاعات والتنافسات الفكرية في مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية وبين الحزب الحاكم والمعارضة وبين فكر الفتوة والفكر التنظيمي .

وعلى سبيل المثال نجد أن التوازن بين الهوية القومية التركية والطموحات الكردية مل يزال أحد أهم التحديات البنيوية للدولة التركية الحديثة وأي تصعيد في هذا الملف ينعكس مباشرة على دور أنقرة الإقليمي.

كما أن اتساع الفجوة بين التيارات القومية والإسلامية في المنطقة عموما قد يضيف بعدا جديدا للصراعات السياسية المقبلة بحيث لا تقتصر الانقسامات على البعد المذهبي فحسب بل إنها تمتد إلى تنافسات فكرية وهوياتية أكثر انفراطا.

ولا يقتصر الأمر على الانقسامات الطائفية أو القومية فقط وإنما يمتد إلى المجال الاقتصادي. فالتنافس على الموانئ والممرات التجارية ومشاريع الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية قد يتحول إلى مصدر متزايد للتوتر بين دول المنطقة.

فالموانئ التي يفترض أن تكون جسورا للتكامل الاقتصادي قد تصبح أدوات للتنافس الجيوسياسي خصوصا في ظل مشاريع الربط التجاري الدولية المتنافسة بين الخليج وشرق المتوسط والهند وأوروبا .

وقد تتحول المنافسة الاقتصادية مستقبلا إلى أحد أهم محركات الخلافات السياسية التي تتطور تدريجيا إلى أزمات أمنية وعسكرية على سبيل المثال الصراع على موانئ اليمن والصومال وارتيريا والسودان وسوريا ودول الازمات بشكل عام بين القوى الإقليمية وامتداداتها الدولية .

وإذا صح هذا التصور فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة تنقلها من الحرب الدولية المباشرة إلى استراتيجية تفعيل التناقضات داخل الدول وبين مكونات الإقليم. وهي استراتيجية ليست جديدة تاريخيا إذا فعلتها الإمبراطوريات الكبرى بأشكال مختلفة.

وقد استخدمت بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى النزعة القومية العربية في مواجهة الدولة العثمانية التي ساهمت في بداية أفولها على اعادة ربط ادارة الجغرافية بعرقيتها التركية متجاهلة العرقية العربية.

كما استثمرت القوى الدولية مرارا في التناقضات القومية والمذهبية والإثنية لتحقيق توازنات تخدم مصالحها.

ومن المفارقات أن النموذج نفسه استخدم أيضا من قبل إيران خلال العقود الماضية،ط وإن بأدوات مختلفة.

فقد بنت طهران شبكة نفوذ إقليمية اعتمدت على الروابط العقائدية والهوياتية العابرة للحدود ووظفت قضايا مركزية مثل فلسطين ومقاومة إسرائيل لبناء شرعية سياسية وشعبية خارج حدودها الوطنية.

كما استفادت من انهيار النظام العراقي السابق لإعادة تشكيل توازنات القوة في المشرق العربي مستثمرة الروابط المذهبية والعقائدية في بناء نفوذ إقليمي واسع.

وبذلك أصبحت المنطقة ساحة تنافس بين مشاريع متشابهة في الوسائل وإن اختلفت في الأهداف والشعارات.

وإذا استمرت هذه الاتجاهات فقد يكون التحدي الأكبر أمام دول الشرق الأوسط خلال العقد القادم ليس مواجهة تدخل خارجي مباشر وإنما باعتبار قدرتها على بناء هوية وطنية جامعة تتجاوز الانقسامات المذهبية والقومية والإيديولوجية.

فالدول التي تعجز عن إنتاج عقد اجتماعي متماسك تصبح أكثر عرضة للتحول إلى مجالات تنافسية بين القوى الإقليمية والدولية.

وعليه فإن مستقبل الصراع في الشرق الأوسط قد لا يتحدد بميزان القوة العسكرية وحده فذلك قد ولى زمنه منذ عقدين وإنما بقدرة المجتمعات والدول على مقاومة منطق الاستقطاب الداخلي.

ويبدو ان الحرب القادمة قد لا تكون حرب الجيش على الحدود وإنما حرب هويات ومصالح وتحالفات تدور داخل الحدود نفسها وتمتد بسياطها إلى خارجها .

وإذا كان القرن العشرون قد شهد صراعات كبرى بين الدول فإن العقود القادمة قد تشهد صراعات تدور داخل الدول وعبر مكوناتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية حيث يصبح الخصم الحقيقي هو ضعف الدولة وانفراط التماسك المجتمعي وغياب المؤسسات أو صورويتها الفارغة أكثر من قوة العدو الخارجي وبذلك تصبح إدارة الانقسامات الداخلية أحد أهم أدوات الصراع على الهيمنة والنفوذ في الشرق الأوسط.

ولعل التجربة العراقية تمثل أحد أبرز الأمثلة على كيفية توظيف التناقضات الإقليمية في إعادة تشكيل موازين القوى.

فقد دخل العراق حربه الطويلة مع إيران في ثمانينيات القرن الماضي دفاعا عن النفوذ الأمريكي تحت شعار القومية العربية حيث كان يمثل رأس الحربة العربية في مواجهة الثورة الإيرانية لكنه خرج منها منهكا اقتصاديا وعسكريا ومجتمعيا وهذا الأزمة التي امتدت ثمان سنوات باستراتيجية أمريكية إسرائيلية ذكية تقاسمت الدور حيث كانت تقف إسرائيل مباشرة إلى جانب إيران بينما تقف أمريكا إلى جانب العراق وكلا الدولتين تتقاتلان بأسلحة أمريكية متوازنة بحيث تمنع الحسم لأي منهما ضمن ما يعرف باستراتيحية الاقتصاد الحربي واستنواف موارد الدولتين عسكريا .

وبعد سنوات قليلة وجد نفسه أمام أزمة الكويت أحد حلفائه في الحرب على إيران حيث اعتقدت القيادة العراقية أن رد الفعل الأمريكي سيكون محدودا أو قابلا للاحتواء دبلوماسيا نظرا لما قدمه العراق من تضحيات لمواجهة النفوذ الايراني المتمرد على أمريكا .

غير أن الغزو تحول إلى نقطة انعطاف تاريخية أدت إلى بناء تحالف دولي واسع أنهى فعليا موقع العراق كقوة إقليمية صاعدة .

ومن منظور العديد من الباحثين تعرض العراق مرتين لسوء تقدير استراتيجي:

الأولى عندما استنزف قدراته في حرب طويلة مع إيران خدمت في النهاية توازنات إقليمية ودولية أكبر من مصالحه الوطنية.

والثانية عندما أخطأ قراءة الموقف الأمريكي تجاه الكويت ولم يستشرف الخطط الأمريكية وطموحاتها في العراق والمنطقة فانتقل من موقع القوة الإقليمية المؤثرة إلى دولة محاصرة ثم إلى ساحة حربية لإعادة تشكيل النظام الإقليمي بعد عام 2003.


وإذا كان العراق قد سقط نتيجة سوء تقدير التوازنات الدولية والإقليمية فإن الدرس الأهم يتمثل في أن القوى الكبرى لا تدير الصراعات في الغالب عبر المواجهات المباشرة وانما كثيرا ما تدفع القوى الإقليمية إلى الدخول في صراعات تستنزف قدراتها الذاتية ثم تعيد توظيف نتائج تلك الصراعات ضمن مشروع أوسع لإعادة هندسة موازين القوة في المنطقة.

ولذلك فإن فهم ما يجري اليوم يقتضي قراءة التاريخ والواقع واستراتيجية التحول بنمط منهجي رصين واع يجمع بين ذاتية القدرة وقدرتها الواقعية باعتباره سلسلة متصلة من إعادة إنتاج التوازنات عبر الحروب والتحالفات والتفاوض واستثمار الانقسامات المحلية والإقليمية.