آخر تحديث :الأربعاء-24 يونيو 2026-09:46م

اليمن.. طبول الحرب تقرع.. الأهداف والتحالفات

الأربعاء - 24 يونيو 2026 - الساعة 12:25 م
د. أحمد بن اسحاق


مع تصاعد الحديث عن التعبئة العسكرية والتحركات في الجبهات، وتزايد التحليلات والتقارير التي تتناول ملامح المرحلة القادمة، ومنها ما نشرته مؤخرا صحيفة عدن الغد وموقع حضرموت نيوز حول احتمالات الحرب وتحالفاتها، بات الشارع اليمني مشدودا إلى سؤال واحد: من سيقف مع من؟ وكيف ستُرسم خريطة الاصطفافات الجديدة إذا ما قُرعت طبول المواجهة من جديد؟


غير أن التاريخ يعلمنا أن التحالفات العسكرية ليست دائما أهم ما في الحروب، فكم من تحالف تشكل ثم انهار، وكم من خصوم تقاتلوا بالأمس ثم جلسوا إلى طاولة واحدة في اليوم التالي. أما ما يبقى بعد انقضاء المعارك فهو شيء آخر: العدالة أو الظلم، الكرامة أو الإهانة، السيادة أو التبعية.


إن شعبنا اليمني الذي وصفه رسول الله ﷺ بألين القلوب وأرق الأفئدة، يتأثر في قراراته ومواقفه بالعاطفة والقيم أكثر مما يتأثر بالحسابات المادية البحتة. فينصر من أحبه واحترمه، ويصعب عليه أن يغفر لمن تعمد الإساءة إليه أو امتهان كرامته. فذلك النسيج الاجتماعي العريق الذي جعل اليمني يؤثر ضيفه وجاره على نفسه، هو ذاته الذي جعله لا ينسى المعروف ولا ينسى الظلم.


ولهذا فإن المعركة الأخيرة، إن كانت المنطقة تتجه فعلا نحو مرحلة فاصلة، يجب ألا تكون معركة نفوذ أو ثأر أو إعادة توزيع للمكاسب، بل معركة لإغلاق ملف المعاناة اليمنية الممتد منذ سنوات طويلة. معركة تعيد الحقوق إلى أصحابها، وتجبر الضرر، وتفتح أبواب المصالحة، وتعيد القرار الوطني إلى أهله.


إن تحالفات المعركة الأخيرة لن تكون في جوهرها تحالفات عسكرية بقدر ما ستكون تحالفات أخلاقية ووطنية. سيقف فيها كل من يؤمن بحق اليمنيين في العيش الكريم، وفي امتلاك قرارهم، وفي بناء دولتهم بعيدا عن الإملاءات والصراعات التي استنزفت البلاد وأهلها.


قد تتغير مواقع الجيوش في المعركة القادمة، وقد تتبدل التحالفات والرايات كما تبدلت من قبل، لكن موقع الشعب اليمني لن يتغير؛ سيبقى مع الحق أينما كان، وضد الجوع أيّا كان مصدره، وضد الوصاية مهما كان صاحبها، وضد استمرار المأساة أيا كانت الذرائع التي تُرفع لتبريرها. فالشعوب قد تصبر طويلا على الألم، لكنها لا تنسى من تسبب فيه، ولا تنسى من وقف إلى جانبها ساعة الشدة.


لقد أثبتت سنوات الحرب أن القوة وحدها لا تصنع سلاما دائما، وأن المال وحده لا يشتري ولاء الشعوب إلى الأبد، وأن السيطرة على الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة على القلوب. فما يستقر في ذاكرة الأمم ليس عدد المعارك التي انتصرت فيها الجيوش، بل مقدار العدالة التي تحققت بعد انتهاء تلك المعارك.


ولهذا فإن المنتصر الحقيقي في أي مواجهة قادمة لن يكون الطرف الذي يرفع رايته فوق أكبر مساحة من الأرض، بل الطرف الذي يقترب أكثر من ضمير الشعب اليمني، ويحمل مشروعا ينهي معاناته، ويعيد إليه كرامته، ويحفظ سيادة وطنه، ويؤسس لدولة يشعر المواطن فيها أنه شريك لا مجرد رقم في معادلات الصراع.


وعندما يُسدل الستار على المشهد الأخير، فإن اليمنيين لن يتذكروا أسماء التحالفات بقدر ما سيتذكرون من وقف معهم ومن وقف ضدهم، من سعى إلى إنهاء الحرب ومن استثمر في استمرارها، من احترم إرادتهم ومن حاول مصادرتها، ومن أعاد لهم حقهم في وطن حر مستقل لا تابع فيه ولا وصاية عليه.

أما أسماء المعسكرات فقد تتغير، وأما الحقائق التي ستبقى فهي أبسط من كل الحسابات السياسية: أن الشعوب تريد العدل، وتريد الكرامة، وتريد السلام. وكل من يقف مع هذه المطالب سيكون أقرب إلى مستقبل اليمن، وكل من يقف ضدها سيجد نفسه في مواجهة التاريخ مهما امتلك من قوة أو نفوذ.