لا يمكن لأي مشروع وطني يهدف إلى بناء دولة مستقرة وعادلة أن يحقق أهدافه في ظل سياسات الإقصاء أو احتكار القرار العام. فالدول الحديثة لا تُبنى على الولاءات الضيقة أو التوازنات الظرفية المؤقتة، وإنما على أسس الشراكة الوطنية، وتكافؤ الفرص، وتوظيف الكفاءات القادرة على الإسهام في صناعة القرار وتحمل مسؤولية إدارة الأزمات. كما أن نجاح الدولة واستدامة مؤسساتها يرتبطان بقدرتها على الاستفادة من رصيدها البشري والوطني، وإرساء معايير موضوعية تقوم على الجدارة والكفاءة والاستحقاق الوطني.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية القيادات السياسية والاقتصادية والإدارية التي أثبتت حضورها العملي في مختلف المراحل المفصلية من تاريخ اليمن المعاصر، وأسهمت في حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية وظائفها العامة في أصعب الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد.
وعندما يُطرح الحديث عن الشخصيات الوطنية التي جمعت بين النجاح الاقتصادي والالتزام الوطني، يبرز اسم الشيخ أحمد صالح العيسي بوصفه أحد أبرز النماذج التي استطاعت أن توائم بين دور رجل الأعمال الناجح والمسؤولية الوطنية تجاه الدولة والمجتمع. فالعيسي لا يمثل مجرد حالة اقتصادية ناجحة في قطاع الاستثمار والأعمال، بل يُعد أحد الوجوه الاقتصادية التي سخّرت خبراتها وإمكاناتها وعلاقاتها الواسعة لخدمة المصلحة العامة في مرحلة كانت الدولة تواجه فيها تحديات وجودية غير مسبوقة.
وخلال سنوات الحرب والأزمة، وفي ظل اختلال منظومة التمويل العام وتراجع قدرة المؤسسات الحكومية على الوفاء بالتزاماتها التشغيلية، لعب الشيخ أحمد صالح العيسي دوراً بارزاً في دعم استمرارية عدد من القطاعات الحيوية، وساهم في توفير المشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية التي مكّنت العديد من المرافق والخدمات العامة من مواصلة أداء وظائفها. ويُعد هذا الدور جزءاً من المسؤولية الوطنية التي اضطلع بها في ظرف استثنائي كانت فيه الدولة بأمسّ الحاجة إلى إسناد حقيقي من القطاع الخاص ورجال الاقتصاد الوطني.
ولم يقتصر حضوره على الجانب الاقتصادي فحسب، بل اتخذ موقفاً سياسياً ووطنياً واضحاً في دعم الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية، انطلاقاً من قناعة راسخة بأهمية الحفاظ على الشرعية الدستورية ووحدة مؤسسات الدولة وسيادة النظام العام. وقد ترتب على هذا الموقف تحمّل أعباء وتكاليف سياسية واقتصادية كبيرة، إلى جانب حملات استهداف وتشويه وضغوط متعددة، إلا أنه ظل متمسكاً بخياراته الوطنية في مرحلة اتسمت بكثرة المتغيرات وتعقيدات المشهد اليمني.
كما لم تقتصر إسهامات الشيخ أحمد صالح العيسي على المجالين الاقتصادي والوطني، بل امتدت إلى القطاع الرياضي، حيث لعب دوراً بارزاً في دعم الرياضة اليمنية من خلال رئاسته للاتحاد اليمني لكرة القدم، وأسهم في الحفاظ على حضور المنتخبات الوطنية واستمرار النشاط الرياضي رغم الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد. ويعكس هذا الدور إيماناً بأهمية الرياضة باعتبارها إحدى أدوات تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء والتماسك المجتمعي.
إن تناول تجربة الشيخ أحمد صالح العيسي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دفاعاً عن شخص أو انحيازاً لطرف، بقدر ما يمثل دعوة موضوعية لإعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة والخبرة في إدارة الشأن العام. فاليمن اليوم يواجه تحديات اقتصادية وتنموية عميقة تتمثل في تراجع قيمة العملة الوطنية، واتساع دائرة الفقر، وتدهور الخدمات الأساسية، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، وهي تحديات تتطلب الاستفادة من الخبرات الوطنية القادرة على تقديم حلول عملية تستند إلى المعرفة الميدانية والتجربة الواقعية، بعيداً عن الخطابات النظرية أو الحسابات الضيقة.
ويتميز الشيخ أحمد صالح العيسي بامتلاكه خبرة اقتصادية واستثمارية تراكمية تمتد لعقود، فضلاً عن شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية الإقليمية والدولية، وفهم عميق لآليات السوق ومتطلبات التنمية والاستثمار. وتمثل هذه المقومات عناصر قوة يمكن توظيفها ضمن رؤية وطنية شاملة تسعى إلى تعزيز التعافي الاقتصادي وتحفيز الاستثمار واستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني.
ومن منظور الإدارة الرشيدة للدولة، فإن الاستفادة من الكفاءات والخبرات الوطنية ليست خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة تفرضها متطلبات المصلحة العامة. فالدول الناجحة لا تُقصي أصحاب الخبرة، وإنما تنظر إليهم باعتبارهم رأس مال وطنياً يجب استثماره في خدمة التنمية والاستقرار وتعزيز كفاءة المؤسسات العامة.
كما أن العدالة في التمثيل والمشاركة لا تعني توزيع المناصب وفق معايير المحاصصة أو الاعتبارات الضيقة، بل تعني تمكين الشخصيات والقيادات التي أثبتت حضورها وإسهامها الوطني من المشاركة في صناعة القرار بما يتناسب مع حجم عطائها وخبرتها وكفاءتها. فالاستقرار السياسي لا يتحقق بالإقصاء، والوحدة الوطنية لا تتعزز بالتهميش، كما أن بناء الدولة المؤسسية يتطلب إشراك مختلف الكفاءات الوطنية القادرة على الإسهام في مواجهة التحديات وصناعة الحلول.
ومن هنا، فإن منح الشخصيات الوطنية المؤثرة والفاعلة دورها الطبيعي في دوائر القرار السياسي والاقتصادي يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز التماسك الوطني وترسيخ مفهوم الشراكة الحقيقية في إدارة الدولة. فالدول لا تنهض بالشعارات وحدها، وإنما بالكفاءات والخبرات القادرة على تحويل الرؤى إلى سياسات، والسياسات إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.
إن بناء اليمن الجديد يتطلب مراجعة جادة لمعايير المشاركة في إدارة الدولة، بحيث تكون الكفاءة والخبرة والنزاهة والرصيد الوطني المشرف هي الأساس في الاختيار والتكليف، بعيداً عن منطق الإقصاء أو الحسابات المؤقتة. وفي هذا السياق، تمثل شخصيات وطنية واقتصادية بحجم الشيخ أحمد صالح العيسي رصيداً استراتيجياً يمكن أن يسهم في دعم جهود التعافي الاقتصادي وتعزيز الاستقرار المؤسسي.
فاليمن الذي ننشده هو يمن الدولة والقانون، يمن المواطنة المتساوية والشراكة الوطنية العادلة، يمن يكرّم أصحاب المواقف الوطنية والكفاءات المخلصة، ويمنح الكفاءات الفرصة التي تستحقها، ويحوّل الخبرات الوطنية إلى قوة فاعلة في صناعة المستقبل.
فالدول التي تنشد النهوض لا تبني سياساتها على ردود الأفعال أو الحسابات الضيقة، بل على الاستثمار في الكفاءات الوطنية القادرة على صناعة الفارق. وعندما تُمنح الخبرة والجدارة المكانة التي تستحقها، تتحول الموارد البشرية إلى قوة وطنية قادرة على دعم الاستقرار وتعزيز التنمية وترسيخ أسس الدولة الحديثة، وبناء مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً لجميع أبنائها.