آخر تحديث :الأحد-12 يوليو 2026-10:49م

الانتقالي.. البكاء ليس على "الوطن" بل على المكتسبات

الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 10:24 م
عوض عميران


​منذ مطلع عام 2026، يمر المجلس الانتقالي الجنوبي بمرحلة انكسار دراماتيكية وقاسية، تجرده تدريجياً من عناصر القوة العسكرية، والسياسية، والشعبية، وحتى المالية، التي راكمها على مدار عقد من الزمن بدعم إقليمي وغطاء شعبي استثنائي. هذه التحولات المتسارعة ليست مجرد قراءة لتقارير المراقبين، بل هي واقع مشهود يتبدى في عجز هذا المكون عن فرض أجندته السابقة أو الحفاظ على وهجه القديم.

​وفي محاولة بائسة لترميم المعنويات المنهارة ومخاطبة الخصوم بلغة "الحشد"، حاول بعض قادة ومنتسبي المجلس إشعال الشارع وتنظيم تظاهرات جماهيرية لاستعراض الثقل الشعبي. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بجدار صلد من برود الشارع الجنوبي، ليدخل المجلس سريعاً في مرحلة "امتصاص الصدمة" والاستسلام للأمر الواقع الجديد. ورغم صعوبة الجزم بما يدور وراء الكواليس من تفاهمات وتسويات مع الشركاء المحليين أو القوى الدولية الراعية، إلا أن الأكيد هو أن الشارع الجنوبي قد أدرك مبكراً عقم الرهان، وتجاوز تلك الحقبة التي أدار فيها الانتقالي أجزاءً واسعة من المحافظات الجنوبية دون تقديم نموذج دولة حقيقي يحترم كرامة المواطن ويلبي احتياجاته الأساسية.

​لكن المفاجأة الأكثر إثارة للجدل، والتي نزعت ورقة التوت الأخيرة عن جوهر الصراع، تجلت في ردود الفعل الغاضبة حيال الأنباء التي تسربت الأسبوع الماضي عن قرارات حكومية تقضي بمصادرة أرصدة وأموال المجلس الانتقالي البنكية لصالح ميزانية الدولة، وتأميم أصوله العقارية ومصالحه المادية وتحويلها إلى ملكية عامة.

​هنا، وفي هذه اللحظة بالذات، تلاشت شعارات "فك الارتباط" و"استعادة الدولة" لتظهر الحقيقة العارية: إن الغضب المشتعل والتهديد بالعصيان المدني ومحاصرة قصر المعاشيق—الذي طالما كان هدفاً سهلاً لتنمر المجلس على الشرعية—لم يكن دفاعاً عن حقوق أبناء الجنوب المنهوبة، بل كان ذوداً عن الأرصدة المتراكمة، والشركات، والأموال التي كُدست طيلة سنوات من الاستحواذ على الموارد العامة وفرض الإتاوات الجائرة على حساب لقمة عيش المواطن المطحون.

​إن الرد الشعبي البارد على دعوات التصعيد الأخيرة يحمل دلالة اجتماعية بالغة الأهمية؛ فالجنوبي الذي يعاني ويلات غياب الخدمات، وانهيار العملة، وانقطاع المرتبات، أثبت بوعيه الجمعي أنه لن يكون مجدداً وقوداً لمعركة هدفها حماية "خزائن النخبة" التي أثرت من معاناته. لقد أدرك المجتمع أن النضال الحقيقي لا يختبئ خلف الحسابات البنكية المتخمة، وأن المشاريع السياسية التي تقتات على أوجاع الناس وتتنصل من مسؤوليتها الأخلاقية تجاههم مآلها الأفول.

​اليوم، يطوي الشارع الجنوبي هذه الصفحة بوعي ونضج كلفاه سنوات من الخذلان، مؤكداً أن مشروع المجلس الانتقالي، بشكله الحالي، لم يعد يمثل تطلعاته، بل بات جزءاً من الماضي... ماضٍ يرحل دون أسف يُذكر.