إن حديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية» قد وقع الخلاف في ثبوت هذه اللفظة في بعض روايات ونسخ صحيح البخاري، ثم ترتب على ذلك نقاش علمي، وربط بعض الباحثين هذا الخلاف بالأحداث التي جرت بين صحابة رسول الله ﷺ رضي الله عنهم.
غير أن الأولى ألا نتوسع في هذا الباب بما يثير النزاعات التي ابتُليت بها الأمة عبر تاريخها، ولا تزال آثارها ممتدة إلى يومنا هذا، وربما تبقى إلى أن يشاء الله تعالى.
ومن المعلوم أن لصحيح البخاري رواةً متعددين ونسخًا مختلفة، وقد أثبت بعضهم هذه اللفظة، بينما خلت منها بعض الروايات الأخرى، ولذلك استمر البحث والمناقشة بين أهل العلم في هذه المسألة.
والذي ينبغي لطالب الحق ألا يجعل مدار القضية على كون الإمام البخاري أخرج هذه اللفظة أو لم يخرجها، ثم يبني على ذلك أحكامًا تاريخية أو توجهات مذهبية؛ فإن السنة النبوية لا تتوقف على مصدر واحد بعد كتاب الله تعالى، وإنما تثبت بمجموع طرقها ورواياتها عند أئمة الحديث.
وقد رويت هذه اللفظة من طرق متعددة، وأخرجها عدد من كبار المحدثين، منهم: الإمام مسلم في صحيحه، والإمام الترمذي في سننه، والإمام النسائي في السنن الكبرى، والإمام أحمد في المسند، وابن أبي شيبة في المصنف، والطبراني في المعجم الكبير، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك على الصحيحين.
ولو تتبعنا كثيرًا من الأحاديث لوجدنا خلافًا بين أهل العلم في تصحيح بعضها أو تضعيفها، أو في إثبات بعض ألفاظها، ومع ذلك لم يجعلوا تلك المسائل أساسًا لبناء مقررات عقدية أو توجهات مذهبية، كما وقع عند بعض المتأخرين في الاستدلال بحديث «تقتل عمارًا الفئة الباغية».
وحتى لو سلَّمنا – جدلًا – بعدم ثبوت هذه اللفظة في بعض نسخ صحيح البخاري، وهو موضع بحث بين أهل الاختصاص، فإن ذلك لا يؤثر في أصل الحديث؛ لأنه ثابت من طرق أخرى صحيحة، وقد عدَّه جمع من الحفاظ من الأحاديث المتواترة.
قال الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب: «تواترت عن النبي ﷺ أنه قال: تقتل عمارًا الفئة الباغية، وهذا من إخباره بالغيب، وهو من أصح الأحاديث».
وقال الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء: «وفي الباب عن عدة من الصحابة، وهو متواتر».
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الإصابة: «تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ أن عمارًا تقتله الفئة الباغية».
كما أن لشيخنا الدكتور أحمد معبد عبد الكريم دراسةً في هذه المسألة بعنوان «إرشاد القاري إلى النص الراجح لحديث (ويح عمار) من صحيح البخاري»، انتهى فيها إلى ترجيح ثبوت هذه الزيادة في أكثر نسخ صحيح البخاري.