آخر تحديث :الثلاثاء-23 يونيو 2026-09:25م

في ميزان الحياة.. الوسطية جبرٌ للخواطر

الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 03:30 م
خالد مبروك غالب


إن المسير في دروب الحياة يحتاج إلى وعي عميق وبصيرة نافذة في معاملة النفس والآخرين. وإن الحكمة البالغة "خير الأمور أوسطها" هي البوصلة التي تحفظنا من العثرات وزلل القول. في زمنٍ يتسارع فيه الناس إلى إصدار الأحكام الجاهزة وتأويل تصرفات الغير وفق أهوائهم، يغدو الصمت الواعي المبني على الوسطية فضيلة لا غنى عنها. فمتى غابت عنك الحقائق وجهلت الظروف والابتلاءات التي يكابدها غيرك، كان من كمال العقل والوقار أن تلزم الصمت، وتكف عن الفلسفة الزائدة والنصح الذي لم يُطلب. فالقلوب حصون مغلقة لا يعلم خباياها وتفاصيلها إلا الله سبحانه.


وإن من الظلم البين أن نحكم على الكتاب من غلافه، أو نظن أن الدنيا تضحك لإنسان لمجرد رؤيته مبتسماً. فكم من زميلٍ تراه يوزع البشاشة كل صباح لا تدري أنه يقضي ليله ساهراً بجانب سرير طفلٍ مريض. وكم من تاجرٍ يبدو عليه الثراء تخفي ملامحه أثقال ديونٍ تؤرق مضجعه. فخلف الوجوه الباسمة قد يختبئ بحرٌ متلاطم من الهموم والأحزان يداريه أصحابها بعزة نفس وكبرياء. فلا نكن ممن يزيد جراحهم بجهلنا أو بعبارة غير موزونة، كما يفعل من يعاتب غائباً على تقصيره دون أن يدري أنه يصارع أزمة نفسية أو مادية دفعته إلى العزلة.


إن الحياة بطبيعتها قاسية، محملة بالمشاق التي تثقل كاهل الجبال، ولا يسلم أحد من نصيبه من الكدر والتعب. لذا يقتضي العقل والرحمة أن نتبنى منهجاً وسطاً يقوم على "دع الخلق للخالق"، فلا نتدخل فيما لا يعنينا، ولا ننصب أنفسنا قضاة على حيوات الناس ومصائرهم، بل ننشغل بإصلاح عيوبنا وتهذيب نفوسنا. وهذا المنهج المتزن يأمرنا بكف الأذى والفضول عن الخلق، كما يدفعنا في الوقت ذاته إلى الإحسان وبث الأمل في النفوس المنكسرة. وهنا تظهر العبادة العظيمة التي لا يعدلها شيء في النبل: عبادة جبر الخواطر.


وتتجلى هذه العبادة في أبسط تفاصيل اليوم؛ في أن تتجاوز عن هفوة عاملٍ أخطأ في طلبك وتلاطفه مقدراً تعبه تحت الشمس، أو أن تضع يدك على كتف صديقٍ تعثر وتقول له إن القادم أجمل بلا لوم ولا عتاب، أو أن تكف لسانك عن سؤالٍ يجرح كالسؤال عن تأخر زواجٍ أو إنجاب، فترك السؤال هنا جبرٌ عظيم للخاطر. إن السعي في قضاء حوائج الناس، والتلطف معهم بكلمة طيبة، وابتسامة صادقة، والتغافل عن زلاتهم، هو الميزان الحق الذي يربط بين الاعتدال والرحمة، ويجعل من المرء عابراً لطيفاً يترك أثراً لا يُمحى. فتذكر أنك حين تجبر خاطراً مكسوراً تتقرب إلى الله بأحب الأعمال إليه، وتصنع لنفسك مظلة من الرحمة تقيك تقلبات الأيام وقسوتها.