انكفأ "عمر" على كفّ أمه يودعها الوداع الأخير قبل الانطلاق إلى الحقل، كانت "العُشة" تضيق بأنفاس الوجع، لكن روح الأم كانت تفيض بجلدٍ عجيب. همست له وهي تجرّ بقايا قوتها: يا بني، قد دنا الرحيل، وهذه وصيتي المعمدة بالدم والدموع.. إياك والحياد عن الدرب الذي رسمناه بالصبر.
احتضنها عمر في عناق كأنه يود لو يحبس روحها بين ضلوعه، وقال بنبرة غلبتها العبرة:
أدركتُ كل شيء يا أماه.. وصيتُكِ قيد في عنقي لا يكسره إلا النصر.
مضت الأيام، واستحالت حياة الأم إلى ملحمة من العذاب الصامت؛ فقد غزا المرض جسدها الواهن، وأكلت "قُرح الفراش" جلدها الطاهر حتى تعفن اللحم فوق العظم، وانبعثت روائح الموت قبل أوانه. كان عمر يرى ذوبان شمعة حياته فيبكي حتى تبتل الأرض، بينما كانت هي تشغل لسانها بالدعاء على من استباح أرضهم وكسر عمودها الفقري. وبجانبها، كانت تجلس امرأة أرملة، شاطرتها "بحر المآسي" وظلم الغاصبين، فكان دعاؤهما يرتفع إلى السماء كبخور أسود يطلب العدالة من ربّ العباد.
وسط هذا الركام من الأحزان، انبثق بصيص ضوء؛ وضعت زوجة عمر مولودها الأول، فأطلق عليه اسم "معين". حمله عمر ونظر في عينيه الصغيرتين وقال بوعيد مكتوم:
يا ولدي، ستكبر لتقصّ على إخوتك حكاية الأرض المنهوبة، وتخبرهم بأسماء من غرسوا في قلوبنا خناجر الظلم!
لفظت الأم أنفاسها الأخيرة وهي تحمد الله أنها رأت "معين" قبل الردى. ماتت وجسدها مُثخن بجروح الغدر والتعفن، لكن كرامتها بقيت ناصعة. تقدمت الأرامل وخبيرة الحيّ لمواراة ذاك الجسد المتعب، وحُملت الجنازة في موكب يقطر حزناً.
وعند خروج الجنازة، تجلى لؤم "ثابت" في أقبح صوره؛ إذ منع إخوته من اتباع الجنازة أو إظهار الندم، ضارباً بقرابة الدم وأعراف الموت عرض الحائط. وقف عمر على حافة القبر، وبعد أن وارى أمه الثرى، صرخ بصوت هزّ أركان المقبرة: اشهدوا يا ناس.. أمي قتيلة ذاك الشقيّ، ودمُها لن يبرد في عروقي حتى أسترد الثأر مضاعفاً!
وصل صدى الوعيد إلى مسامع "ثابت"، ذلك الرجل الذي كان يختال بجمال منظره وطول قامته وعرض منكبيه، غافلاً عن أن القوة لا تُقاس بالجسد بل بعمق الجرح. قال له إخوته محذرين:
يا أخي، إن عمر ليس بالخصم الهين؛ فهو رامي لا يُخطئ، وسريع كالريح، وقويّ كالصخر.
رد ـ ثابت ـ بصلف وغرور:
أنا لا أخشى ظله، سأذهب إلى داره وأُبيد نسله وأقتلع شجرته من جذورها!
لكن المكر كان يختبئ خلف لسان أخيه الآخر الذي قال:
هذا انتحار يا أخي، فالناس تلوك سيرتنا بدم أمه، وإن قتلته جهاراً صرنا منبوذين. لا بد من "حيلة" نُسقط فيها عمر في قاع (بحور المآسي) دون أن تلطخ الدماء ثيابنا.. حيلة تجعل المأساة غرقاً لا نجاة منه.
هكذا، أُغلقت أبواب العزاء، لتُفتح نوافذ "المكيدة"، وباتت القرية تنتظر فصلاً جديداً، حيث تلتقي قوة عمر الصادقة بمكر الذئاب الغادرة.
.................•................