في التاريخ محطات لا تنتهي بانتهاء أحداثها، بل تستمر آثارها لعقود طويلة، وتظل حاضرة في الوعي الجمعي وفي تشكيل الواقع السياسي والاجتماعي للأمم.
ومن بين تلك المحطات المفصلية في تاريخ جنوب اليمن، تبرز أحداث ٢٢ يونيو ١٩٦٩م، التي عُرفت رسمياً آنذاك باسم (الحركة التصحيحية)، بينما لا يزال كثيرون ينظرون إليها بوصفها انقلاباً سياسياً غيّر مسار الدولة والثورة معاً.
ومع اقتراب ستة عقود على ذلك الحدث، يعود السؤال القديم ليفرض نفسه من جديد، هل كانت حركة ٢٢ يونيو بالفعل عملية تصحيح لمسار الثورة والدولة الفتية التي نشأت بعد الاستقلال؟ أم أنها مثلت بداية انحراف عن المشروع الوطني الذي ناضلت من أجله الحركة الوطنية الجنوبية، وأدخلت البلاد في مسار أيديولوجي وصراعات داخلية ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم؟
لقد جاء استقلال الجنوب في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧م تتويجاً لنضال وطني طويل خاضته الحركة الوطنية في جنوب اليمن ، ضد الاستعمار البريطاني، وأسفر عن خروج بريطانيا وإنهاء أكثر من قرن من الوجود الاستعماري في عدن وما حولها. غير أن مرحلة ما بعد الاستقلال لم تكن بداية للاستقرار بقدر ما كانت بداية لصراع جديد حول هوية الدولة وطبيعة المشروع الوطني الذي ينبغي أن يقودها.
فالجبهة القومية التي تسلمت السلطة بعد الاستقلال لم تكن تنظيماً متجانساً، بل كانت إطاراً سياسياً واسعاً ضم تيارات قومية ويسارية وإسلامية متعددة المشارب.
كما أن سنوات الكفاح المسلح نفسها شهدت صراعاً مريراً بين الجبهة القومية وجبهة التحرير، التي ضمت طيفاً واسعاً من النخب السياسية والمدنية والفكرية في الجنوب. ومع أن الاستقلال حسم الصراع العسكري لصالح الجبهة القومية، إلا أن التباينات الفكرية والسياسية داخلها سرعان ما انتقلت من مرحلة الاختلاف إلى مرحلة الصراع على السلطة والاتجاه.
وفي هذا السياق جاءت أحداث ٢٢ يونيو ١٩٦٩م، حين تمكن الجناح اليساري داخل الجبهة القومية من إقصاء الرئيس قحطان الشعبي ورفاقه، وإعادة تشكيل السلطة والدولة وفق رؤية أيديولوجية جديدة.
ومنذ ذلك التاريخ لم يعد الخلاف يدور حول الأشخاص بقدر ما أصبح يدور حول طبيعة المشروع الوطني نفسه، هل تكون الدولة امتداداً لمشروع وطني جامع يركز على بناء المؤسسات والاستقرار والتنمية؟ أم تتحول إلى منصة لتطبيق مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود تتجاوز خصوصية المجتمع واحتياجاته؟
إن أهمية إعادة قراءة هذه المرحلة لا تنبع من الرغبة في محاكمة الماضي أو إدانة الأشخاص، بل من الحاجة إلى فهم جذور الأزمات التي تعاقبت على الجنوب خلال العقود اللاحقة، فالتاريخ ليس سجلاً للأحداث فقط، بل هو مخزن للدروس والعبر.
وما لم تُفهم الأسباب الحقيقية للصراعات التي نشأت في البدايات، فإن المجتمعات تبقى معرضة لتكرار الأخطاء ذاتها بأسماء وشعارات مختلفة.
لقد شهد الجنوب بعد ١٩٦٩م تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة، كما شهد سلسلة من الصراعات والانقسامات الدامية التي بلغت ذروتها في أكثر من محطة، وكان أبرزها أحداث يناير ١٩٨٦م، . كما أصبح الجنوب ساحة لتجاذبات إقليمية ودولية فرضتها طبيعة الاصطفافات الأيديولوجية في زمن الحرب الباردة، الأمر الذي جعل أمنه واستقراره جزءاً من معادلات أوسع امتدت آثارها إلى محيطه العربي والإقليمي.
ومن هنا تكتسب الذكرى ال ٥٧ لحركة ٢٢ يونيو أهمية خاصة، ليس باعتبارها مناسبة للاحتفاء أو الإدانة، بل باعتبارها فرصة لإعادة طرح السؤال الجوهري الذي لم يفقد راهنيته حتى اليوم: متى تكون حركات التصحيح، تصحيحاً حقيقياً للمسار الوطني؟ ومتى تتحول إلى مجرد انقلابات تعيد توزيع السلطة بين النخب السياسية تحت شعارات براقة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تكمن في الشعارات التي رُفعت آنذاك، وإنما في النتائج التي ترتبت على الحدث نفسه.
فالتاريخ يقاس بمآلاته لا بنواياه المعلنة، وتُقاس الحركات السياسية بقدرتها على بناء دولة مستقرة وعادلة وقادرة على حماية مواطنيها وتحقيق التنمية وصيانة استقلال القرار الوطني.
ومن هذا المنطلق، فإن قراءة أحداث ٢٢ يونيو ١٩٦٩م ليست بحثاً في الماضي بقدر ما هي محاولة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
فالأمم التي تتعلم من تاريخها تستطيع أن تتجاوز أزماتها، أما الأمم التي تكرر أخطاءها فإنها تبقى أسيرة دوائر الصراع ذاتها مهما تغيرت الأسماء والوجوه والشعارات.
،،،،،،،،
✍️ عبدالعزيز الحمزة
الاثنين ٢٢ يونيو ٢٠٢٦م