في ظل التحديات الاقتصادية المعقدة التي مرت بها البلاد خلال السنوات الماضية، برز اسم الأستاذ سالم صالح بن بريك كأحد أبرز الشخصيات التي لعبت دورًا محوريًا في إدارة الملفين المالي والاقتصادي، حيث ارتبطت فترة توليه وزارة المالية بجملة من الإصلاحات والإجراءات التي انعكست بصورة ملموسة على أداء المؤسسات الإيرادية واستقرار السوق، ما جعل تجربته محل تقدير واسع لدى العديد من المختصين والمهتمين بالشأن الاقتصادي.
وخلال فترة قيادته لوزارة المالية، شهدت المؤسسات الإيرادية، وفي مقدمتها مصلحة الجمارك، نقلة نوعية على مستوى التنظيم والإدارة وتطوير الأداء. فقد أولى بن بريك اهتمامًا خاصًا بتعزيز كفاءة العمل الجمركي ورفع قدرات الكوادر العاملة فيه، من خلال تنفيذ برامج تدريبية ودورات تأهيلية متخصصة، أسهمت في بناء منظومة جمركية أكثر فاعلية وقدرة على مواجهة التحديات.
كما ارتبطت تلك المرحلة بتشديد الإجراءات الرامية إلى مكافحة التهريب والحد من عمليات التهرب الجمركي، وهي خطوات انعكست بشكل إيجابي على حجم الإيرادات العامة للدولة، وعززت من قدرة المؤسسات الحكومية على الوفاء بالتزاماتها في ظل ظروف استثنائية كانت تمر بها البلاد.
ولم يقتصر دور بن بريك على الجانب الجمركي فقط، بل امتد إلى الملف النقدي والمالي الذي كان يشهد ضغوطًا كبيرة. فقد تبنى سياسات وإجراءات هدفت إلى إعادة الانضباط للسوق المالية، وتعزيز دور البنك المركزي في إدارة العمليات المصرفية والتجارية، الأمر الذي ساهم في تحقيق قدر من الاستقرار في أسعار الصرف خلال تلك الفترة.
ومن أبرز الخطوات التي يُحسب له اتخاذها العمل على تنظيم عمليات الاستيراد وربطها بالقنوات المصرفية الرسمية، وإلزام التجار بتنفيذ عمليات الصرف الخاصة بالاستيراد عبر البنك المركزي، بما يضمن شفافية أكبر في حركة الأموال ويحد من المضاربات التي كانت تؤثر سلبًا على قيمة العملة الوطنية.
كما جرى تشديد الرقابة على الفواتير التجارية للحد من التلاعب بقيم الواردات، وهو ما أسهم في حماية الإيرادات العامة وتعزيز الرقابة المالية.
ويرى اقتصاديون أن تلك السياسات نجحت إلى حد كبير في ضبط سوق الصرف وخفض مستويات المضاربة، الأمر الذي انعكس على استقرار أسعار السلع الأساسية وتخفيف الضغوط المعيشية على المواطنين مقارنة بالمراحل اللاحقة التي شهدت تقلبات حادة في أسعار العملات الأجنبية وارتفاعًا متسارعًا في تكاليف المعيشة.
وقد تميز بن بريك بأسلوب إداري قائم على المتابعة الميدانية واتخاذ القرارات المبنية على معطيات واقعية، إلى جانب حرصه على تعزيز الشراكة بين مختلف المؤسسات المالية والاقتصادية للدولة، وهو ما أسهم في تحقيق نتائج ملموسة رغم محدودية الإمكانات وتعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي.
ومع مغادرته موقعه الحكومي، بدأت مؤشرات عديدة بالتراجع تدريجيًا، حيث عادت الاختلالات التي كانت تعاني منها الأسواق المالية، وشهدت العملة المحلية موجات متتالية من التراجع، رافقها ارتفاع في أسعار السلع والخدمات واتساع نطاق المعاناة المعيشية للمواطنين. وهو ما دفع كثيرًا من المراقبين إلى استذكار المرحلة التي قاد فيها بن بريك الملف المالي باعتبارها فترة اتسمت بقدر أكبر من الانضباط والاستقرار والقدرة على إدارة الأزمات.
واليوم، ومع استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد، تظل تجربة سالم بن بريك حاضرة في النقاشات الاقتصادية باعتبارها نموذجًا للإدارة المالية القائمة على الإصلاح المؤسسي وتعزيز الرقابة وتنشيط الإيرادات وتفعيل دور البنك المركزي.
كما يرى كثيرون أن نجاح أي جهود مستقبلية لمعالجة الأزمة الاقتصادية يتطلب الاستفادة من الدروس والخبرات التي قدمتها تلك المرحلة، والتي أثبتت أن الإرادة الإدارية والإصلاحات المدروسة قادرة على إحداث فارق حقيقي حتى في أصعب الظروف.
لقد استطاع سالم بن بريك أن يرسخ اسمه كأحد أبرز وجوه الإصلاح المالي في اليمن خلال السنوات الأخيرة، وأن يترك بصمة واضحة في مؤسسات الدولة المالية والجمركية، وهي بصمة لا تزال حاضرة في ذاكرة العاملين في القطاع الاقتصادي وكل من تابع تلك المرحلة التي شهدت تحسنًا نسبيًا في مؤشرات الاستقرار المالي والنقدي مقارنة بما شهدته البلاد لاحقًا.
