آخر تحديث :الخميس-23 يوليو 2026-12:25ص

"الوطني".. الفكرة النبیلة والواقع المشین؟!

الثلاثاء - 23 يونيو 2026 - الساعة 10:17 ص
هايل علي المذابي


ھایل علي المذابي


یظل مفھوم "الوطني" أحد أكثر المصطلحات إثارة للجدل في الفكر السیاسي والاجتماعي المعاصر؛ إذ لا یقف

عند حدود التعریف اللغوي، بل یمتد لیشتبك مع السیاقات الثقافیة والأمنیة للشعوب. وتتجلى في ھذا السیاق مفارقة

حادة في دلالة القیمة والمعنى بین الغرب المستقر والدول النامیة التي تعیش أزمات وجودیة كالیمن.

وعن الدلالة "الوطنیة" في الفكر الغربي، من حیث الرفاھیة والأمان، ینقل لنا في كتابھ العمدة "الحداثة السائلة"،

عالم الاجتماع "زیجمونت باومان" أطروحة لیشیك كولاكوفسكي التي تفصل بدقة بین "النزعة القومیة"

الشوفینیة و"الوطنیة" النبیلة. فالقومي یرى أمتّھ ضحیة مؤامرة دائمة من الغرباء، ویعبر عن وجوده بالعدوان

وكراھیة الآخر. أما الوطني، فیمتاز بالتسامح الكریم مع التنوع الثقافي، والأقلیات الدینیة، ویمتلك الشجاعة

لإسماع أمتھ الحقائق المُرّة التي لا تحب سماعھا.

لكن باومان یضع یده على حقیقة جوھریة:

"إن ھذا التسامح والشجاعة في قول الحق ھما سمات تنتشر في مجتمعات آمنة أماناً كافیاً داخل المواطنة

الجمھوریة، فلا ینتاب أھلھا قلق بشأن الوطنیة باعتبارھا مشكلة أو مھمة طارئة."

ھنا، تتحول الوطنیة في الغرب من "معركة بقاء" إلى "منظومة قیم حقوقیة ومؤسسیة". ولعل أبرز دلیل على

الرسوخ المؤسسي للمفھوم في الغرب ھو تمثلھ في القوة التكنولوجیة؛ فكلمة Patriot) الوطني) المنحدرة من

الأصل الیوناني القدیم patriōtēs) ابن الوطن)، جرى تطویعھا عسكریاً عبر ما یُعرف لغویاً بـ

(Backronym (لیُصاغ منھا الاختصار الھندسي لمنظومة الدفاع الجوي الأمریكیة الشھیرة:

Target \Of \Intercept \Radar \Tracking \Array \Phased

إن ھذا الدمج بین الرمزیة الوطنیة والقوة العسكریة التكنولوجیة یعكس وطنیة مرتاحة، واثقة، ومحمیة بالسیادة

الردعیة، حیث المواطن لا یحتاج لإثبات ولائھ یومیاً لأن الدولة كمؤسسة تكفلت بحمایتھ وحقوقھ، ولیس ذلك

فحسب بل إن توظیف الكلمة عسكریا ونقلھا من جوھا المعنوي إلى ساحة الحروب یعد تجریدا بلیغا لما یمكن أن

یعنیھ أن یكون المواطن وطنیا في الغرب، تحت ظل الدیمقراطیة المتسامحة مع التعددیة بكافة أشكالھا ومستویاتھا

ومعنى الحریة التي یتمتع بھا الأفراد سواء في اعتناق ما یشاؤون من آراء وأفكار وعقائد أو في قول الحق، في

ظل قانون عادل یحمي الجمیع ویحافظ على حقوقھم أیا كان رأیھم أو لونھم أو معتقدھم أو حزبھم أو غیر ذلك من

اختلاف.

وعلى النقیض تماما،ً یتخذ مفھوم "الوطني" في الدول النامیة، وفي الیمن تحدیدا،ً دلالة مغایرة ودراماتیكیة. في

مجتمعات تطحنھا الصراعات السیاسیة والحروب الأھلیة، وتغیب فیھا المأسسة الجادة لـ "المواطنة الجمھوریة"،

تصبح الوطنیة "مشكلة یومیة ومھمة طارئة" بتعبیر باومان.


في ھذه البیئات المأزومة، تفقد الأطروحات الفكریة النبیلة قیمتھا؛ فالسمات الغربیة للمواطن الوطني (كالتسامح

مع الاختلاف، ونقد الذات، والشجاعة في قول الحق) لا تُفسر ھناك كعلامات نضج، بل تقع في فخ التخوین. إن

أغلب الذین یملكون "إخواناً وطنیین" في بیئة مشحونة سینتقدون ھذه السمات بقسوة، ویسِمونھا بـ "الخیانة

القومیة" أو العمالة للخارج؛ في حین أن التعصب للقبیلة أو الحزب السیاسي أو المذھب الدیني یعد غایة الولاء

والوطنیة بالنسبة للفرد في نظر الجماعة، كما أنھ كافٍ لحصول الأفراد على أمنھم وحقوقھم كاملة على كافة

الأصعدة والمستویات.

إن التناقض بین معنى "الوطني" في الغرب ومعناه في الدول النامیة كالیمن، ھو الفرق بین "الفكرة النبیلة

والواقع المشین". فبینما یمثل الوطني في الغرب صمام أمان قوامُھ نقد الأخطاء وقبول الآخر تحت مظلة قانونیة

تكنولوجیة تحمیھ، یتحول الوطني في واقعنا النامي إلى كائن ملاحق، تُقاس وطنیتھ بمدى تسلیمھ التام للسائد،

لتصبح "الوطنیة" أداة فرز وإقصاء بدلاً من أن تكون جامعاً وملاذا