آخر تحديث :السبت-04 يوليو 2026-10:11م

الحوار الجنوبي الجنوبي.. طريق الإنقاذ واستعادة البوصلة الوطنية

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 10:47 م
جمال صالح لهطل


بقلم/ جمال صالح لهطل الفضلي


على مدى سنوات طويلة، دفعت القضية الجنوبية أثمانًا باهظة نتيجة الانقسامات والصراعات والتجاذبات السياسية التي أنهكت المجتمع وأضعفت قدرته على مواجهة التحديات الحقيقية. واليوم، وبعد عقد كامل من المتغيرات والأحداث العاصفة، أصبح أبناء الجنوب أكثر وعيًا وإدراكًا من أي وقت مضى بأن مستقبلهم لا يمكن أن يُبنى على الإقصاء والتخوين واحتكار التمثيل، بل على الحوار والتفاهم والشراكة الوطنية الجامعة التي تستوعب الجميع دون استثناء.


لقد أثبتت التجارب أن اختزال الجنوب في أشخاص أو مناطق أو قرى أو صور وشعارات لم يكن يومًا مشروعًا وطنيًا قادرًا على تحقيق تطلعات المواطنين. فالجنوب أكبر من الأفراد، وأوسع من المصالح الضيقة، وأعمق من أي مشروع قائم على المناطقية أو العصبية أو صناعة الانقسامات. ومن هنا تبرز الحاجة الملحة للإسراع في إطلاق حوار جنوبي جنوبي شامل يجمع مختلف المكونات والقوى والشخصيات الوطنية، باعتباره المخرج الحقيقي لبناء رؤية مشتركة تعبر عن إرادة أبناء الجنوب كافة وتحفظ حقوقهم وتطلعاتهم المشروعة.


لقد كانت السنوات العشر الماضية كافية ليكتشف المواطن حجم المعاناة التي خلفتها الصراعات السياسية. سنوات شهدت أزمات معيشية خانقة، وانهيارًا في الخدمات، وتراجعًا في مستوى الحياة العامة، فضلًا عن ملفات مؤلمة ما تزال تنتظر الإنصاف والعدالة. وخلال هذه الفترة سقطت الكثير من الشعارات التي استُخدمت لتبرير الإقصاء أو إسكات الأصوات المخالفة، وأدرك الناس أن شماعة التخوين والاتهامات الجاهزة لم تعد تنطلي على أحد، وأن الوعي الجنوبي اليوم أصبح أكثر نضجًا وقدرة على التمييز بين المشاريع الوطنية الحقيقية والمشاريع التي تتغذى على الانقسام والصراع.


وفي هذا السياق، جاءت كلمة عضو مجلس القيادة الرئاسي نائب رئيس المجلس الاخ عبدالرحمن أبو زرعة المحرمي لتؤكد هذه الحقائق وتضع الجميع أمام مسؤولياتهم الوطنية والتاريخية. فقد حملت كلمته رسائل مهمة تدعو إلى الاستفادة من دروس الماضي وعدم تكرار أخطاء الصراعات السابقة، والعمل على توحيد الصفوف الجنوبية والتكاتف والحوار من أجل الوصول إلى حلول عادلة ومنصفة للقضية الجنوبية.


لقد عكست كلمة المحرمي رؤية سياسية مسؤولة تدرك أن التحديات الراهنة لا يمكن مواجهتها إلا بالحوار، وأن القضية الجنوبية العادلة تحتاج إلى اصطفاف وطني واسع يضع مصلحة الشعب فوق الحسابات الضيقة، ويؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف المكونات بعيدًا عن لغة الإقصاء وادعاء احتكار القضية أو التحدث باسم جميع أبناء الجنوب.


ولا يمكن الحديث عن فرص نجاح الحوار الجنوبي الجنوبي دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي تقوم به المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظهما الله، الراعية لهذا التوجه والداعمة لكل الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار والسلام. فقد وقفت المملكة إلى جانب اليمنيين في أصعب الظروف، وأسهمت بصورة رئيسية في تحرير عدن والمحافظات الجنوبية من الميليشيات الانقلابية، وقدمت دعمًا سياسيًا وإنسانيًا وتنمويًا كبيرًا لا يمكن إنكاره أو تجاوزه.


إن الموقف الوطني المسؤول يقتضي الحفاظ على هذه العلاقة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية باعتبارها عمقًا عربيًا وسندًا حقيقيًا للاستقرار والسلام، ورفض أي محاولات للإساءة إليها أو التقليل من دورها التاريخي في دعم اليمن وقضاياه العادلة. فالشعوب الوفية لا تنسى من وقف معها في أوقات الشدة، والتاريخ يسجل المواقف كما يسجل التضحيات.


وفي الوقت ذاته، فإن أي مشروع وطني حقيقي لا يمكن أن يتجاهل ملفات العدالة والحقوق والحريات. ومن القضايا التي لا يجوز السكوت عنها أو تجاوزها قضية المخفيين قسرًا والمعتقلين الذين ما زالت أسرهم تنتظر معرفة مصيرهم. فهذه القضية الإنسانية والأخلاقية تمثل جرحًا مفتوحًا في وجدان المجتمع الجنوبي، ويتساءل الآلاف من ذويهم حتى اليوم: أين أبناؤنا؟ وهل هم أحياء أم أموات؟ إن هذه الملفات لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن تحقيق مصالحة حقيقية أو بناء مستقبل مستقر دون كشف الحقائق وإنصاف الضحايا وتحقيق العدالة وفق القانون.


كما أن على الجميع أن يدرك أن القضية الجنوبية لن تنتصر عبر الارتهان للمشاريع الخارجية المشبوهة كتل ابيب أو عبر أي علاقات تتعارض مع المصالح العربية والإسلامية أو تتجاوز الثوابت القومية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. فالجنوب كان وسيظل جزءًا من محيطه العربي والإسلامي، ولن يقبل أبناؤه بأن تكون قضيتهم بوابة للإضرار بالمصالح العربية أو الخروج عن الإجماع العربي الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.


إن أبناء اليمن شمالًا وجنوبًا يتطلعون اليوم إلى إنهاء سنوات الحرب والمعاناة، والانتقال نحو مرحلة جديدة يسودها السلام والاستقرار والتنمية. ولهذا فإن الوقوف مع الدولة ومؤسساتها الرسمية ودعم الجهود الرامية إلى إنجاح خارطة السلام الشامل يمثل خيارًا وطنيًا مسؤولًا يحظى بدعم إقليمي ودولي واسع، ويؤسس لحل دائم يضمن الأمن والاستقرار ويحفظ حقوق الجميع.


واليوم تقف عدن والجنوب أمام لحظة تاريخية فارقة تتطلب تغليب لغة العقل والحكمة، والعودة إلى مشروع الدولة والقانون والمؤسسات، بعيدًا عن الشخصنة والصراعات التي استنزفت المجتمع وأرهقت المواطنين. فالظلم لا يدوم، والانقسام لا يبني وطنًا، وأي مشروع لا يستند إلى إرادة الناس ووحدتهم ومشاركتهم مصيره الفشل مهما امتلك من أدوات القوة.


إن الجنوب ليس ملكًا لأحد، وليس ماركة سياسية أو صورة تُرفع في الساحات، بل هو وطن يتسع لجميع أبنائه بمختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم. ومن هنا فإن الواجب الوطني يحتم على الجميع دعم مسار الحوار الجنوبي الجنوبي، والالتفاف حول كل الجهود الصادقة التي تهدف إلى تحقيق المصالحة الوطنية وبناء شراكة حقيقية تحفظ الحقوق وتصون الكرامة وتحقق تطلعات الأجيال القادمة.


فالمستقبل لن يصنعه الصراع بل الحوار، ولن تبنيه الشعارات بل التوافقات الوطنية، ولن تحميه الانقسامات بل وحدة الصف والإرادة المشتركة. وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن ينتصر لها الجميع إذا أرادوا جنوبًا آمنًا ومستقرًا وقادرًا على تحقيق تطلعات أبنائه في الحرية والعدالة والعيش الكريم.


اللهم إني قد بلغت، اللهم فاشهد