آخر تحديث :الثلاثاء-30 يونيو 2026-10:24م

العدالة الغائبة.. مأزق الانتقالي في مواجهة الدولة

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 09:54 م
عمر الحار


هذه رؤية سياسية عميقة حاولت الاقتراب خلالها من حقيقة اشكالية الانتقالي اليوم، و اسباب تقاطعه الصادم مع الدولة والمجتمع بعيدا عن صراعه المستميت للعودة للحياة من جديد.

فلا يمكن لأي مشروع سياسي أن يحقق الاستقرار أو يكتسب شرعية مستدامة ما لم يجعل العدالة حجر الزاوية في رؤيته وممارساته. فالعدالة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل هي الأساس الذي تستند إليه الدول في بناء مؤسساتها وتنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع. وعندما تغيب هذه القاعدة، تبدأ الاختلالات في الظهور تباعا، لتتحول مع مرور الوقت إلى أزمات بنيوية يصعب تجاوزها.

ومن هذا المنطلق، تبدو أزمة المجلس الانتقالي الجنوبي أعمق من مجرد خلافات سياسية مؤقتة أو تباينات في المواقف مع الحكومة الشرعية. فالمشكلة الحقيقية تكمن في النهج الذي حكم أداءه منذ نشأته، والقائم على تقديم نفسه باعتباره الممثل الأوحد للقضية الجنوبية، في تجاهل واضح لحقيقة التنوع السياسي والاجتماعي الذي يميز الجنوب واليمن عموما.

لقد شهد العالم خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في مفهوم العمل السياسي، حيث أصبحت الشرعية مرتبطة بمدى الالتزام بالتعددية والشراكة واحترام مؤسسات الدولة. أما منطق احتكار التمثيل السياسي أو اختزال الإرادة الشعبية في مكون واحد، فقد أثبت فشله في كثير من التجارب، وأصبح أقرب إلى إرث سياسي تجاوزه الزمن.

وفي الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى استعادة دورها الطبيعي في فرض النظام العام وحماية الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن، يواصل المجلس الانتقالي إظهار تحفظاته واعتراضاته على إجراءات يرى كثيرون أنها تدخل ضمن الصلاحيات السيادية للدولة. فالدولة، بطبيعتها، لا تستطيع القبول بوجود سلطات موازية أو مراكز نفوذ تتجاوز القانون أو تنازعها اختصاصاتها، لأن ذلك يمثل مدخلا دائما للفوضى وتقويض المؤسسات.

وما يزيد من تعقيد المشهد أن المجلس الانتقالي لا يزال يتعامل مع كثير من المتغيرات بعقلية سياسية تقليدية لا تنسجم مع طبيعة المرحلة الراهنة. فالتحديات التي تواجه اليمن اليوم لم تعد تحتمل خطابات الإقصاء أو الاستقطاب، بل تتطلب مشاريع وطنية قادرة على استيعاب التنوع وبناء الشراكات وتعزيز حضور الدولة باعتبارها المظلة الجامعة للجميع.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على القوة وحدها لا يصنع مشروعا سياسيا ناجحا، كما أن امتلاك النفوذ الميداني لا يكفي لضمان البقاء والتأثير. فالاستمرار في الحياة السياسية مرهون بالقدرة على التكيف مع التحولات، واحترام قواعد العمل الديمقراطي، والقبول بمبدأ الشراكة الوطنية.

وفي ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها الأزمة اليمنية، يبدو أن التحدي الأكبر أمام المجلس الانتقالي لم يعد في مواجهة خصومه السياسيين، بقدر ما أصبح في مراجعة تجربته وأدواته وخطابه السياسي. فالمستقبل لن يكون لمن يرفع الشعارات الأكثر صخبا، وإنما لمن ينجح في بناء مشروع قادر على التعايش مع الدولة، واحترام القانون، وترسيخ العدالة باعتبارها الركيزة الأولى للاستقرار والتنمية.

ويبقى السؤال الأهم: هل يدرك المجلس الانتقالي أن الدولة الحديثة لا تُبنى بمنطق الغلبة، وإنما بمنطق الشراكة والعدالة وسيادة القانون؟ أم أنه سيواصل الدوران في الحلقة ذاتها، بينما تمضي الأحداث والمتغيرات من حوله بوتيرة أسرع من قدرته على الاستيعاب والمواكبة؟