دائما وأبداً وفي كل زمان ومكان ينقسم البشر في تفسيرهم للوحي الإلهي إلى مذاهب وفرق وطوائف لكل منها أفكارها الفلسفية وأهدافها السياسية ، وكل طرف يسعى من خلال ذلك إلى إثبات صوابية منهجه الفلسفي والسياسي ، ولو ترتب على ذلك تجريف وتحريف الوحي الإلهي ، وبناء منهج ديني بعيد كل البعد عن المنهج الرباني القويم( الصراط المستقيم ) ، في حالة تعكس تقديم البعد المصلحي والنفعي عن البعد الروحاني والاخلاقي ، وتظهر استغلال البشر للدين والمتاجرة به لتحقيق مصالح سياسية وأطماع سلطوية ، ليجد الانسان المفكر والواعي نفسه في حالة من التناقض بين ما يجب أن يكون وما هو كائن بالفعل على أرض الواقع ، بين مثالية وروحانية وعالمية وانسانية وايجابية الوحي الإلهي وبين واقعية ومادية وعنصرية وسلبية بعض التفسيرات البشرية ، ومنها على سبيل المثال التي تشرع لصناعة الفوارق بين البشر ، من خلال منح جماعات وفئات بعينها دون غيرها الكثير من المميزات الوراثية والسياسية ، وهو ما يعرف بعملية التمييز العنصري والطبقي ، أو تلك التفسيرات التي تشرع توريث الدين في نطاق فئوي أو أسري ، والتوريث أمر معروف عن البشر ، لكن لم يكن يخطر على البال أن يصل الحال ببعض الفرق والطوائف إلى توريث الدين وجعل الدين من ضمن الأشياء التي تورث من جيل إلى جيل في نطاق محدود ، وفكرة التوريث الديني لها هدف سياسي وسلطوي فتوريث الدين يمنح صاحبه بشكل تلقائي الحق في التوريث السياسي والسلطوي ، وهو ما يعرف بمفهوم احتكار السياسة والسلطة.بإسم الدين ..!!
وبذلك فإن الفرق والطوائف والمذاهب الدينية في كل زمان ومكان ليست أكثر من أحزاب وجماعات سياسية لها أهداف وأطماع سلطوية . وهو ما يعرف بمفهوم التسلط والهيمنة بإسم الدين أو تحت غطاء الدين ، لقد حول البشر الأديان إلى ميدان مفتوح للصراع السياسي والسلطوي ، عن طريق التخندق خلف المذهبية والطائفية ، والمؤسف في الموضوع هو قيام بعض فقهاء تلك المذاهب والطوائف إلى تفسير الوحي الإلهي وفق الرغبة السياسية التي تدعم التوجه السياسي للسلطة الحاكمة ، وتسخير الكثير من التشريعات والأحكام الدينية في خدمة السياسة والسلطة ، وهو ما يعرف بالتفسير السياسي للوحي ، بل لقد وصل الحال ببعض الفرق والطوائف إلى استغلال الطقوس والمناسبات الدينية والتعبدية في شرعنت أهدافها السياسية وأطماعها السلطوية ، في حالة تعكس طغيان الكثير من البشر ونفاقهم وفسادهم.، والدافع لكل ذلك هو الفكر المصلحي والنفعي المسيطر على النفس البشرية ( النفس الأمارة بالسوء ) ، وأكثر من يمارس تلك الأفعال والأعمال عادةً هم المتظاهرين بالتدين ، فكهنة المعابد قديما وكهنة الكنائس في العصور الوسطى هم من كانوا يقومون بتلك الأفعال ، وهؤلاء الكهنة هم موجودين في كل زمان ومكان تحت مسميات مختلفة ، وكل من يستغل الدين في خدمة السياسة والسلطة هو كاهن سياسي بغض النظر عن المسميات الشائعة في كل ديانة ..!!
وما أكثر الكهنة السياسيين في كل زمان ومكان ، وهم أنفسهم من يفسر الوحي الإلهي وفق رؤية سياسية وسلطوية معينة ، وهم أنفسهم من يقومون بالتعبئة الفكرية والسياسية وفق ايديولوجيا معينة للاجيال البشرية ، وهم أنفسهم من يصنعون التطرف والتشدد والارهاب ، وهم أنفسهم من يسوقون البسطاء من الناس إلى محارق الموت في سبيل الدفاع عن السلطة والسلطان ، وهم أنفسهم من يكفرون ويبيحون سفك دماء كل من يعارض أفكارهم السياسية وأطماعهم السلطوية ، وأسوأ أنظمة الحكم في تاريخ البشر هي الأنظمة الكهنوتية ، وأسواء فترات حياة البشر سواداوية هي الفترات التي يكون الكاهن السياسي هو الحاكم ( العصور الوسطى في اوروبا انموذجا ) ، فهو يحكم بإسم الإله ، ويطغى ويقتل ويفسد ويظلم ويسفك الدماء بإسم الإله ، وما أسوأ ممارسة تلك السلبيات والجرائم بإسم الإله ، في حالة توضح مدى تشويه الفكر المصلحي والنفعي البشري لصورة الإله في كل زمان ومكان ، من أجل ذلك أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلغة مبسطة وميسرة للفهم ، لقطع الطريق أمام التفسيرات السياسية والسلطوية للوحي الإلهي الذي كان سائدا خلال الأديان السابقة ، ورغم كل ذلك إلا أن الفكر المصلحي والنفعي البشري قد دفع بالبعض إلى تفسير القرآن الكريم وفق رؤى سياسية وسلطوية ، ترتب عليها ظهور مذاهب وفرق وطوائف تدعي كل منها الحق في السلطة والحكم ، وتدعي أفضليتها وتميزها عن بقية البشر ، وتمنح نفسها الصلاح والتقوى وما دونها هو الكفر والضلال ، وبذلك كان وما يزال وسيظل الفكر المصلحي والنفعي البشري هو العدو الأول للأديان ولكل ما هو ايجابي في حياة البشر ، وكانت وما تزال وستظل الكهانة السياسية هي أبشع وأسوأ ما انتجه هذا الفكر ..!!