آخر تحديث :السبت-20 يونيو 2026-09:14م

عندما يتحول رفض الوصاية إلى وصاية جديدة

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 08:47 ص
احمد ناصر حميدان


عندما يتحول رفض الوصاية إلى وصاية جديدة

ليست المشكلة في الشعارات التي تُرفع، بل في الممارسة التي تكشف حقيقتها. فمن السهل أن تملأ الساحات بلافتات "رفض الوصاية"، لكن الأصعب أن تمتلك قراراً سياسياً مستقلاً لا يخضع لإرادة الخارج ولا يتغذى على دعمه ولا ينتظر إشاراته.

لقد عانت أمتنا طويلاً من الوصاية بأشكالها المختلفة؛ وصاية القوة، ووصاية المال، ووصاية الأيديولوجيا، ووصاية المصالح الإقليمية والدولية. غير أن أخطر أنواع الوصاية هي تلك التي ترتدي ثوب التحرر بينما تمارس التبعية، وتدعو إلى الاستقلال بينما قرارها مرهون بغيرها.

كيف يمكن لمن جعل مشروعه السياسي قائمًا على الدعم الخارجي أن يقنع الناس بأنه يقاوم الوصاية؟ وكيف يمكن لمن رهن مصير شعب بأكمله لحسابات الآخرين أن يتحدث باسم السيادة والكرامة الوطنية؟ إن الاستقلال لا يقاس بالخطب واللافتات، بل بقدرة أصحاب القرار على قول "لا" عندما تتعارض مصالح الخارج مع مصالح الوطن.

لقد جرى تضليل الجماهير سنوات طويلة عبر صناعة عدو وهمي وتقديم التبعية باعتبارها شراكة، والارتهان باعتباره تحالفًا، والتخلي عن القرار الوطني باعتباره ضرورة سياسية. وعندما اصطدمت تلك المشاريع بحقائق الواقع، بدأ أصحابها يصرخون ضد الوصاية التي كانوا جزءاً من صناعتها.

إن الأمة لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى صحوة عقلية وأخلاقية تعيد الاعتبار للفكر النقدي ولحق الناس في السؤال والمحاسبة. فالمواطن ليس تابعاً في قطيع، وليس مجرد رقم في حشد جماهيري، بل شريك في صناعة المستقبل وصاحب حق في معرفة من يقرر باسمه ولصالح من تُدار السياسات.

إن الأوطان لا تُبنى بالولاءات العابرة للحدود، ولا بالمزايدات الوطنية، بل ببناء مؤسسات قوية وقانون عادل وإرادة سياسية مستقلة. وما لم ندرك أن الحرية تبدأ بحرية القرار الوطني، فإننا سنظل ندور في الحلقة ذاتها؛ نرفض وصاية لنقع تحت أخرى، ونهدم تبعية لنقيم مكانها تبعية جديدة.

لقد آن الأوان أن نسأل السؤال الذي يخشاه الجميع: هل نريد وطناً سيداً يقرر مصيره بنفسه، أم مجرد ساحة تتنازعها المشاريع الخارجية وتتنافس فوقها مراكز النفوذ؟

إن ضمير الأمة لن يستيقظ بالشعارات، بل بالصدق مع النفس، والاعتراف بالأخطاء، والعودة إلى مبدأ بسيط وواضح: لا كرامة لوطن لا يملك قراره، ولا مستقبل لشعب يقبل أن يكون مصيره بيد غيره.

احمد حميدان