بقلم صبري سالم أحمد بن شعيب
في زمن تتسارع فيه آثار التغير المناخي وتزداد فيه درجات الحرارة عاماً بعد آخر، يقف العالم اليوم أمام تحدٍ مصيري يتمثل في مكافحة التصحر وحماية الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية من التدهور. ويأتي اليوم العالمي لمكافحة التصحر ليذكر البشرية بأن الأرض ليست مجرد مساحة نعيش عليها، بل هي مصدر الحياة والأمن الغذائي والاستقرار البيئي للأجيال الحاضرة والقادمة.
وفي اليمن، تبدو آثار التغيرات المناخية أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمدن عديدة تشهد ارتفاعاً غير مسبوق في درجات الحرارة، وتراجعاً في معدلات الأمطار، واتساعاً للرقعة الصحراوية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على حياة المواطنين ومصادر رزقهم، وعلى القطاع الزراعي الذي يشكل شريان حياة لملايين اليمنيين.
ولعل ما تشهده بعض المحافظات اليمنية من جهود في تأهيل واستصلاح الأراضي الزراعية، ومنها حضرموت والمهرة وسقطرى ومأرب وشبوة، يمثل بارقة أمل تؤكد أن مواجهة التصحر ممكنة متى ما توفرت الإرادة والتخطيط والشراكة المجتمعية الفاعلة. فاستصلاح مئات الهكتارات من الأراضي الزراعية لا يقتصر أثره على زيادة الإنتاج الزراعي فحسب، بل يسهم في استعادة التوازن البيئي وتحسين جودة الحياة وتعزيز الأمن الغذائي وخلق فرص اقتصادية مستدامة للمجتمعات المحلية.
إن مكافحة التصحر ليست مسؤولية الحكومات وحدها، بل هي قضية مجتمعية تتطلب تضافر جهود الجميع. وهنا يبرز الدور المحوري لمنظمات المجتمع المدني المحلية والدولية التي تمتلك القدرة على نشر الوعي البيئي، وتنفيذ المشاريع التنموية، وتحفيز المجتمعات على المشاركة في حماية البيئة واستعادة الغطاء النباتي. كما تستطيع هذه المنظمات أن تشكل جسراً بين المجتمعات المحلية والجهات المانحة والمؤسسات الدولية لدعم المبادرات البيئية وتوسيع نطاقها.
ولا يمكن الحديث عن مستقبل أخضر ومستدام دون الإشارة إلى الدور الحيوي للشباب، الذين يمثلون القوة الأكثر تأثيراً في قيادة المبادرات التطوعية البيئية. فحملات التشجير التي يقودها الشباب، وأعمال استصلاح الأراضي، والمشاركة في حماية الأشجار والعناية بها وريّها والحفاظ عليها، تعد نماذج ملهمة للعمل المجتمعي الذي يترك أثراً مستداماً على الأرض والإنسان. فغرس الأشجار لا يكتمل بزراعتها فقط، بل يحتاج إلى رعاية مستمرة ومتابعة دائمة لضمان نموها وتحقيق أهدافها البيئية.
كما أن نشر ثقافة التشجير في المدن والقرى والمناطق الصحراوية أصبح ضرورة وطنية ملحة لمواجهة التحديات المناخية المتزايدة. فكل شجرة تُزرع تسهم في امتصاص الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتلطيف درجات الحرارة، وتحسين جودة الهواء، ومكافحة زحف الرمال، والحفاظ على التربة والمياه الجوفية. ولذلك فإن تحويل التشجير إلى ثقافة مجتمعية وسلوك يومي يعد استثماراً طويل الأمد في مستقبل البيئة والتنمية.
ومن هنا تبرز أهمية إطلاق حملات إعلامية واسعة عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية ومنصات التواصل الاجتماعي، بهدف رفع مستوى الوعي البيئي وتعريف المواطنين بمخاطر التصحر والتغير المناخي، وتسليط الضوء على أهمية حماية الغطاء النباتي والحفاظ على الموارد الطبيعية. فالإعلام شريك رئيسي في بناء الوعي وتحفيز المجتمع على المشاركة الفاعلة في الجهود البيئية.
كما أن تنظيم الندوات وورش العمل والمؤتمرات البيئية في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية والمجتمعية يسهم في نشر المعرفة وتعزيز ثقافة المسؤولية البيئية لدى مختلف فئات المجتمع. فالمعرفة هي الخطوة الأولى نحو التغيير، والوعي هو السلاح الأقوى في مواجهة المخاطر البيئية المتنامية.
وفي المقابل، تقع على عاتق الدولة ووزاراتها المعنية مسؤولية كبيرة في قيادة الجهود الوطنية لمكافحة التصحر، من خلال وضع السياسات البيئية الفاعلة، ودعم برامج التشجير، وتوسيع مشاريع استصلاح الأراضي الزراعية، وتشجيع المبادرات المجتمعية، وتوفير الموارد اللازمة لحماية البيئة. كما أن تعزيز الشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني من شأنه أن يخلق نموذجاً تنموياً متكاملاً يحقق نتائج مستدامة على المدى البعيد.
إن اليوم العالمي لمكافحة التصحر ليس مجرد مناسبة بيئية عابرة، بل دعوة مفتوحة للعمل الجماعي من أجل إنقاذ الأرض وحماية مستقبل الإنسان. فكل شجرة تُغرس، وكل أرض تستعيد خضرتها، وكل مبادرة تطوعية تنجح في نشر الوعي البيئي، تمثل خطوة حقيقية نحو يمن أكثر اخضراراً، وبيئة أكثر استدامة، ومجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحديات التغير المناخي.
فالأرض التي نحميها اليوم، هي الحياة التي نمنحها لأبنائنا غداً، وهي الإرث الأجمل الذي يمكن أن نتركه للأجيال القادمة.هذه النسخة مناسبة للنشر في الصحف والمواقع الإخبارية والمنصات الرسمية، وتجمع بين الطابع السردي والرسالة التوعوية والدعوة إلى الشراكة المجتمعية لمواجهة التصحر والتغير المناخي.