آخر تحديث :الثلاثاء-23 يونيو 2026-10:53م

سرائر خلف الأقنعة

الخميس - 18 يونيو 2026 - الساعة 03:17 م
خالد مبروك غالب


بين مظهر يرتدي الضياء، ومخبر يضمر الظلماء، تعبر حياتنا قوافل من البشر بأقنعة شتى. أشد ما يواجه الإنسان في دروبه ليس عدواً يجاهر بخصومته ويشهر سيفه في وضح النهار، بل من ينسج من ملامحه رداء محبة ويواري خلف ستاره خنجراً يتحين الفرصة للطعن. فالعدو الواضح يمنحك فرصة لترتيب دفاعاتك، أما المنافق الخفي فيطعن في الظهر حيث لا تتوقع الضربة.


يتقن هذا الصنف فن التمثيل في العلاقات. يبادر بالابتسامات العريضة ويكيل من المديح ما يسر الآذان، لكن تلك الكلمات المعسولة ليست إلا غلافاً لسهام مسمومة. وما إن تغيب عن أنظارهم حتى تبدأ ألسنتهم بنهش لحمك وتشويه صورتك. يصافحون باليمنى، واليسرى تتربص بطعن الظهر. والأدهى أن مشاعرهم مقلوبة؛ يحزنون لنجاحك وفرحك، ويجدون سروراً خفياً في انكسارك ومصيبتك.


ومن تأمل هذا السلوك المشوه نستخلص أن العداء الصريح أكرم من الود الزائف، فالعدو يحدد موقعك بينما الصديق المزيف يسلبك الأمان من حيث تظن أنه مصدره. الأفعال هي الميزان لا الأقوال، فالمواقف المعتمة والأوقات الصعبة وحدها تظهر معادن الرجال. ومن الحكمة ألا تكشف أوراقك كاملة لكل ضاحك في وجهك، واحتفظ بمسافة أمان تضمن حماية أسرارك. شماتة المنافقين تنعكس عليهم، فمن يفرح لمصيبة غيره يستهلك طاقته في مراقبة الآخرين ويحرم نفسه من الهدوء. النفاق هدم للمروءة، فالتلون بوجوه متعددة يفقد الإنسان احترامه لنفسه قبل احترام الآخرين له.


يبقى الوضوح والنقاء العملة النادرة في هذا الزمان. وإن كان النفاق يمنح أصحابه مكاسب مؤقتة، فإن حبل الكذب قصير، والوجوه المستعارة لا بد أن تسقط يوماً لتكشف قبح السريرة. فكن واضحاً كالشمس، واحذر من يبتسم لك وبيده خنجر خفي.


أيهما أشد إيلاماً في نظرك: مواجهة العدو المعلن، أم خديعة الصديق المزيف؟