يقف الباحث أمام تاريخ مدينة عدن بمزيج من الدهشة والالتباس؛ فالمدينة التي تُقدم اليوم في الخطاب السائد كرمز "للمدنية والتحضر التاريخي" في الجزيرة العربية، تفتقر عند الفحص العلمي الدقيق إلى الشواهد الكلاسيكية للحواضر العلمية التقليدية. لم تكن عدن يوماً نداً لصنعاء في وفرة مخطوطاتها، ولا لزبيد في مدارسها الفقهية، ولا لتريم في رباطاتها العلمية التي تقاطر إليها طلاب المعرفة من شتى بقاع الأرض.
إن هذا الغياب الفعلي للمراكز العلمية التقليدية يقودنا إلى تفكيك "العقدة المنهجية" التي صاغت وعي الإنسان اليمني بمدينته الساحلية، والبحث عن الجذور الحقيقية لهويتها بعيداً عن وهمين: وهم إسقاط المعايير التقليدية عليها، ووهم "الحداثة الاستعمارية" الزائف الذي روج لـ "الزمن الجميل" بربطه ببداية الاحتلال البريطاني عام ١٨٣٩.
أولاً: عظمة السيادة الوطنية وازدهار الميناء (قبل الاستعمار)
من الإجحاف المنهجي محاكمة عدن بأدوات قياس صُنعت لتقييم مدن الهضبة أو حواضر السهول الداخلية. عدن، عبر تاريخها الممتد، لم تكن "دار هجرة" للعلوم الدينية لأنها ببساطة كانت "ثغراً وعاصمة اقتصادية"؛ ميناءً تجارياً عالمياً يحكمه منطق التبادل الإنساني، وعظمة السيادة والتدبير السياسي للدول المركزية اليمنية المتعاقبة التي أدركت باكراً عبقرية موقعها.
العصر الذهبي الرسولي: بلغت عدن أوج تألقها التاريخي في عهد الدولة الرسولية، بفضل الرعاية الاستثنائية التي حظي بها الميناء من قِبل الدولة المركزية باعتباره شريان الاقتصاد الوطني. وتشير المصادر التاريخية إلى أن إيرادات ميناء عدن في تلك الحقبة بلغت أكثر من مليون وثلاثمائة ألف قطعة ذهبية سنوياً، وهو رقم فلكي وثروة مهولة بمقاييس ذلك العصر وحتى بمقاييس عصرنا الحالي، مما جعلها ركيزة السيادة والرفاه التنموي.
الريادة الطاهرية والاستثمار الفندقي: تواصل هذا الألق في عهد الدولة الطاهرية التي استثمرت في البنية التحتية الخدمية للمدينة بشكل غير مسبوق في المنطقة بأسرها. فقد شهدت عدن آنذاك طفرة في قطاع الإيواء والضيافة عبر تشييد الفنادق ودور الاستضافة الفاخرة المخصصة للتجار والرحالة الدوليين، وهو نمط استثماري وحضاري متقدم جداً لم يكن مألوفاً في شبه الجزيرة العربية في تلك المرحلة.
البخور العدني وزجاجة "الغالية": لم تكن عدن مجرد محطة عبور، بل كانت مركزاً إنتاجياً لأجود أنواع العطور والبخور في العالم. وارتبط اسمها بصناعة العطور الفاخرة التي كانت تُصدّر للملوك والأباطرة، وكانت زجاجة العطر العدني الثمين تُسمى تاريخياً بـ "الغالية"؛ دلالةً على جودتها الاستثنائية وقيمتها المادية والمعنوية الرفيعة التي صاغت جانباً هاماً من الهوية الجمالية للمدينة.
الأسوار التاريخية الحامية: تجسدت عظمة المدينة المعمارية والدفاعية في أسوارها المهيبة التي شُيدت فوق قمم السلاسل الجبلية الشاهقة المحيطة بها من كل حدب وصوب، لتطوق المدينة وتحميها كحصن طبيعي وبشري منيع، يفتح ذراعيه فقط لمينائها الآمن المستند إلى عمقه الجغرافي.
ثانياً: فخ "الزمن الجميل" وهندسة الاستنزاف الاستعماري
تكمن الأزمة الحقيقية في أنه عند غياب السردية الوطنية المستقلة، تم ملء الفراغ بالسردية (الاستعمارية) التي تبدأ تاريخ عدن الفعلي مع وطأة قدم الكابتن "هينز" عام ١٨٣٩، وتروج لفرية أن البريطانيين وجدوا "قرية صيادين بائسة" فصنعوا منها واحة للحضارة.
إن التفكيك الاجتماعي والاقتصادي لهذه الحقبة يكشف زيف هذه السردية:
نهب الإيرادات وجباية الضرائب: أدارت بريطانيا عدن في عقودها الأولى عبر "الشركة الهندية البريطانية للشرق الأقصى" بعقلية استغلالية بحتة. فبينما كان ميناء عدن يُصنف كـ ثاني أفضل ميناء في العالم بعد ميناء نيويورك من حيث حركة الشحن والترانزيت، كانت تلك الشركات الاحتكارية والإدارة الاستعمارية تلتهم وتنهب هذه الإيرادات المهولة وتُرحّلها إلى خزائن التاج البريطاني، في حين كان المواطن اليمني البسيط هو من يدفع تكاليف رصف الطرقات، وتشييد المباني الإدارية، وإقامة المشاريع الخدمية من خلال منظومة ضرائب باهظة ومجحفة فرضتها الإدارة الاستعمارية على السكان المحليين وأصحاب الحرف الصغيرة.
الرفاه الوظيفي والفرز الطبقي البغيض: لم يكن ما يسمى "الزمن الجميل" جميلاً إلا في عيون النخبة الاستعمارية والجاليات المدعومة منها. لقد عاش اليمني في وطنه غريباً مقصياً، يقبع في قاع الهرم الطبقي والاجتماعي كعامل شحن وتفريغ أو حارس، بينما حظي الأجانب بالامتيازات، والتعليم الراقي، والسكن الفخم في الأحياء المخصصة لهم والمحمية بالقوانين العنصرية الكولونيالية.
قطع الصلة بالجسد الوطني: سعت السياسة البريطانية جاهدة لعزل عدن عن عمقها اليمني وامتدادها الجغرافي والقبلي الطبيعي، وزرع فكرة "الاستثناء العدني المعزول" لتسهيل السيطرة عليها وتبرير بقاء المستعمر كـ "حامٍ وحيد" للمدينة ضد محيطها الذي صوره الاستعمار باستمرار كعالم من "الفوضى والتخلف".
ثالثاً: التعددية والمواطنة العالمية: تعايش عضوي أم فرز إداري؟
يُحسب لعدن تاريخياً أنها كانت واحة وحاضنة إنسانية استثنائية لجميع الأعراق والأجناس والأديان. غير أن الفارق الجوهري بين مرحلتين يوضح طبيعة هذا التعدد:
التعايش العضوي التاريخي (قبل ١٨٣٩): كانت التعددية في عدن نابعة من أصالة وثقافة أهلها؛ حيث عاش اليمني والعربي جنباً إلى جنب مع اليهود والصومال واليونانيين والفرس، وأصحاب الطرق والمذاهب الدينية والروحية المختلفة، في انسجام طبيعي فرضه منطق المدينة الميناء والتسامح الإنساني العفوي، دون الحاجة لقوانين قسرية أو تصنيفات عرقية.
التعددية الاستعمارية المقننة: حين جاء المستعمر، استخدم التنوع السكاني كوسيلة للضبط والسيطرة عبر سياسة "فرق تسد". فحول التعايش الطبيعي إلى "أقليات وجاليات مقننة" تحظى بامتيازات متفاوتة لضرب التماسك المجتمعي، وتأليب المكونات ضد بعضها البعض لضمان عدم توحد الجبهة الداخلية ضد الوجود البريطاني.
رابعاً: عبقرية المكان وميلاد "الرئة التنويرية"
إذاً، كيف نشأ الوعي التنويري والأدبي الحديث في عدن خلال القرن العشرين؟
الجواب لا يكمن في عبقرية المستعمر، بل في "عبقرية المكان" وفي حيوية الإنسان اليمني والعدني الذي امتص صدمة الاحتلال ووظف الهامش النسبي للحقوق لصالحه.
عندما تأسست الصحافة الرائدة (كصحيفة "فتاة الجزيرة" عام ١٩٤٠) والمسرح التنويري والنوادي الأدبية والمكتبات العامة، لم تكن هذه هدايا استعمارية مجانية، بل كانت منابر انتزعها المجتمع المحلي انتزاعاً بنضاله الفكري والسياسي. وتحولت عدن من مجرد ميناء يسلب المستعمر إيراداته، إلى "رئة فكرية لليمن بأكمله"؛ ففي مقاهي عدن ومطابعها صِيغ الفكر التحرري والجمهوري الحديث، ومنها انطلقت الشرارة الكبرى التي دكت عروش الاستبداد الإمامي في الشمال وطردت الاستعمار البريطاني من الجنوب في ملحمة وطنية متكاملة.
خامساً: ملامح السردية الوطنية البديلة لعدن
لإعادة الاعتبار لمدينة عدن، يجب على النخبة المثقفة والشباب الكف فوراً عن البكاء على أطلال "الحداثة الاستعمارية الزائفة" والبدء في بناء سردية جديدة ترتكز على المحددات التالية:
إعادة وصل ما انقطع تاريخياً: ربط عدن المعاصرة بجذورها السيادية والاقتصادية العظيمة (مثل العصر الرسولي والطاهري)، وإدراك أن ريادتها وبناءها وفنادقها وتجارة عطورها "الغالية" وأسوارها الحامية كلها شواهد على نهضة يمنية أصيلة سابقة للاستعمار بقرون.
التحرر من وهم "المنحة البريطانية": إدراك أن البنية التحتية التي بناها المستعمر سُددت قيمتها بالكامل من دماء وعرق وضرائب أجدادنا، بينما نُهبت إيرادات ثاني أفضل ميناء في العالم لتبنى بها مدن بريطانيا وضواحيها.
المدنية كقيمة اجتماعية إنسانية مستمرة: الإيمان بأن مدنية عدن وقبولها بالآخر وتعايشها المتعدد ليس سلوكاً مستورداً من الخارج، بل هو طبع أصيل في هوية وتكوين الإنسان العدني الذي استضاف وحمى الجميع على مر العصور.
خاتمة
إن الصراع المعاصر على عدن وفوق ترابها هو صراع وجودي على مستوى الوعي والهوية. وحين ندرك أن قوة عدن لم تكن يوماً مستمدة من مدافع الغزاة وشركاتهم الاحتكارية، بل من عظمة موقعها، وعرق عمالها الكادحين، وأصالة هويتها الحضارية الضاربة في أعماق التاريخ، سنتمكن حينها فقط من بناء مدنية حقيقية، عادلة اجتماعياً ونابعة من الداخل، تليق بتاريخ هذه الحاضرة الاستثنائية وصناع مجدها الحقيقيين.