في كل عام تطرق الهجرة بإقدامها مسامعنا وتقرع بأوعيتها ضمائرنا وتحرك بحوادثها معالمنا وتستدعي بمفاهيمها إنسنتنا وتجدد بوقائعها كرامتنا وتطهر بصنائعها أخلاقنا وتفتق بحركتها منهجيتنا .
إنها أول مفاهيم السلام والثقافة والإسلام و الأنسنة والإنسان والعالمية والمكان والكونية والزمان .
وهي السلام الخالد الذي ربط الباقي بالبائد والنموذج بالرائد والمجتمع بالقائد ..
سلام ثمنه مفارقة الديار والأهل والذاكرة ومباينة الأخلاق والقيم والظاهرة إلا ما بقي من ذكريات مكة الخالدة .. لبيك اللهم لبيك ..لبيك لا شريك لك لبيك .
إنها حركة الوجود لمواجهة العدم وإرادة الوعي لمقاومة الألم ويقظة الضمير لقيادة الأمم.
إن الهجرة هي بداية التاريخ ونهايته؛ وأوله في تجديد الانسان وصناعته وآخره في حفظ حقوقه وكرامته .
وسؤال الهجرة التي بدأ بها سؤال المنهج .. فماذا لنا إن فارقنا الذاكرة و الديار و زهدنا بالدنيا وبذلنا الأموال وكورنا معك الليل والنهار وخضنا بك برك الغمام ..
سؤال اختزل الجواب قبل الإجابة فكانت الجنة توكيدا لا جوابا ..
الجنة هي التاريخ السرمدي الأبدي الخالد بدأت أولها بالهجرة تجديدا لبداية الإنسان والنبوة وتأصيلا لها بأصولها العربية .
فإن قالوا ما هي الجنة؟ وهي مجهولة في الواقع لكان سؤالهم استفهاما واستبيانا ولكنهم اختزلوا فلسفتها بالعمل .. أمدد يدك نبايعك عليها لا نقيل ولا نستقيل وكفى بها عوضا ..
وما قالوا كما قال بنو إسرائيل.. ما هي ؟ مع ان البقرة معلومة ..
وشتان بين وعي جدد التاريخ وجعله ابدي بلا نهاية وبين عي ضلل بدايته وجعل الألفية نهايته .
وهنا تأتي المقابلة بين الأمم؛ بين أمة تركت السؤال عن الجنة الخفية إيمانا بصدق قائلها وأمة سألت عن البقرة المعلومة إنكارا لقائلها .. شتان بينهما ..فريق في الجنة وفريق في السعير .
من الفكرة تأتي إرادة الوعي ووعي الذاكرة و منهجية الفكر ومؤشرات الظاهرة وإدارة الدنيا وإرادة الآخرة .
هذا المعمار المنهجي يربط عمران الدنيا بإعمار الإنسان وعمارة الإنسان بعمران الباقية ..
إن الصراع على المال والدنيا والنفوذ والسلطة جاء باسم الدين
بين أحفاد من قالوا .. يا رسول الله نبايعك على المنشط والمكره .. وأثرة علينا..
وما إن تطل الهجرة إلا وتأتي اليمن معها حاضنة وملازمة تطرق مسامع الأمة وذاكرتها.
وتاتي اليمن بداية التاريخ وبأهلها بدأت وتختزل الهجرة بداية التاريخ ونهايته.. فالذين تبعهم تاريخا تابعون لها زمنا .. فأنا سيد ولد آدم وأول من تنشق الأرض عنه وأول شافع وأول مشفع .
.ولا يصلح أمر هذه الأمة إلا بما صلح به أمر أولها من قيمها ورجالها .. رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ..
إن الهجرة ناقوس في ناموس هذه الأمة تنادي أهل اليمن بأن يعودوا إلى قيمها ..
. عودوا إلى صلاحكم يعود الزمان والوعي والكرامة والعدل والإنسان.
.. صلاحكم صلاح الأمة أرضا وإنسانا وأنصارا وإسلاما من أوسها وخزرجها واشعريها ومذحجها وهمدانها وأزردها ودوسها وغفارها وحميرها وسبأها..
أنتم بداية التاريخ ونفسه ونهايته ونفحه ..
وأن لكل أمة قدوة ونموذجا ..فكانت مكة إدارة و قيادة وفي اليمن مجتمعا وإرادة .
إن الهجرة النبوية هي ملحمة منهجية لتأسيس الوعي السياسي في الإسلام ؛ ففيها خرجت العقيدة من المجال الأخلاقي الخاص إلى المجال التاريخي العام، واكتسبت الفكرة قدرتها على إعادة تشكيل المجتمع والدولة.
هنا بدأ الإنسان المسلم يدرك نفسه فاعلا في التاريخ وصانعا لأحداثه.
وفي تجربة المدينة تقدم تصورا إنسانيا ومدنيا وإداريا متقدما للعمران الإنساني.
لم تستمد السلطة مشروعيتها من العصبية او الحزبية والجهوية وإنما من قدرتها على تنظيم المجال المشترك وحماية السلم الأهلي وتحقيق العدل العام .
لذلك كانت وثيقة المدينة إعلانا عن ميلاد فضاء سياسي جديد يتسع للاختلاف ويؤسس لوحدة تتجاوز الانتماءات الضيقة حيث تكمن عبقرية الهجرة في أنها ربطت بين بناء الإنسان وبناء الدولة.
فالإنسان المنتج للفكرة هو نفسه المنتج للمؤسسات..وأن كل حضارة تعجز عن هذه العلاقة تتحول فيها الدولة من العدل إلى الهيمنة ومن الأخلاق إلى الجاهلية ويتحول المجتمع إلى ثكنات متنافسة على السلطة والنفوذ والثروة.
إن الهجرة نموذجا استراتيجيا لفهم نشوء الأمم إذ أن القوة تولد من الرؤية والرؤية تصنع التاريخ عندما تجد مؤسسات تحملها وتحميها من التعدد و التبدد والتبلد .
ولذلك استطاعت جماعة صغيرة محدودة الموارد لم تطرق ألفا من العدد ولا شيئا من العدة أن تؤسس مجالا حضاريا استمر قرونا ثم خمد في عصرنا بالتقليد والتبعية والظاهرة وخمدت معه الذاكرة .