تميزت الهوية الحضرمية بخصوصية فريدة، جعلت من الشعب الحضرمي نسيجاً ممتداً عبر التاريخ، يتمايز عن محيطه الإقليمي وغيره من الشعوب. فهذه الهوية موغلة في القدم منذ آلاف السنين؛ ولأجل ذلك تتابعت محاولات الأنظمة السياسية المتعاقبة، منذ النصف الثاني من القرن العشرين تقريباً، لطمسها وتذويبها. فما الأسباب وراء تلك المحاولات؟
بدأت مساعي الطمس الفعلي في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي، حين حاولت القوى الحاكمة في الجنوب تهميش الهوية الحضرمية تدريجياً، ووصل الأمر إلى تغيير اسم "حضرموت" إلى "المحافظة الخامسة"، بتأثير من تيار محدد ومعروف في الجبهة القومية، وهو ما عُرف بـ "تيار فتاح وشلته".
ضُمّت حضرموت إلى ذلك الكيان بتواطؤ من بريطانيا قبيل خروجها في الثلاثين من نوفمبر عام 1967م. وكان الهدف من وراء ذلك تمزيق الهوية والشعب الحضرمي الذي كان منتشراً حينها في أصقاع الأرض؛ لا سيما في جنوب شرق آسيا كالجزر الإندونيسية، وشبه القارة الهندية، بالإضافة إلى شرق إفريقيا وأفريقيا السوداء، وهي المهاجر التي تغلغل فيها العنصر الحضرمي طلباً للرزق.
وفي تلك المهاجر، تمسك الإنسان الحضرمي بدينه وأخلاقه، مهما بلغ من الغنى أو المكانة الاجتماعية؛ فمارس التجارة وحقق نجاحات باهرة مع الحفاظ على عقيدته وعاداته. وتميز الحضارم بالتعايش، والسلم، والتعامل الراقي، والمصاهرة مع شعوب تلك البلدان؛ فنشروا الإسلام المعتدل وقيمه الحميدة بالقدوة والتعامل الحسن، وبنوا علاقات متينة مع السكان المحليين.
واستمر سيل الهجرة المتدفق من "النهر الخالد" حضرموت إلى تلك البلدان، حتى توقف تماماً في منتصف الستينيات بعد رحيل بريطانيا وضم حضرموت إلى اليمن الجنوبي. حيث فرضت دولة الجنوب (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) قوانين جائرة منعت السفر وقيدت الحركة.
كان يحكم تلك الدولة الفتية شباب متحمسون، تشبعوا بأفكار الاشتراكية القومية من خلال بعثاتهم الدراسية إلى بلدان عربية مثل مصر، والعراق، وسوريا، ولبنان، والسودان، أو من الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، فنقلوا أفكاراً مستوردة غريبة عن الفكر الحضرمي الإسلامي المعتدل.
والمؤسف أن ذلك أدى إلى انقطاع حضاري، وإنساني، وعائلي دام لأكثر من عشرين عاماً بين الحضارم في الوطن الأم وأهلهم وأبنائهم في المهاجر؛ بسبب تلك القوانين وصعوبة وسائل المواصلات والاتصالات حتى عام 1990م.
في نهاية القرن العشرين، دخلت دولة الجنوب في وحدة مع الشمال؛ وهي وحدة افتقرت للتكافؤ ولم تقم على دولة النظام والقانون، بل رعتها أحزاب شكلية، بينما ظل العنصر القبلي هو المسيطر بحكم الكثافة السكانية في الشمال، ومع كل محاولات الطمس وتذويب الهوية، بقي الحضارم في عدن وغيرها مستمسكين بهويتهم.
كان حكام الشمال يخططون في ظل غفلة من الوعي العام لطمس هذه الخصوصية وصبغ الحضارم بالهوية اليمنية لأهداف سياسية، واجتماعية، وثقافية.
تعمق هذا التوجه بعد إقصاء الشريك الجنوبي من الحكم إثر حرب صيف 1994م، حيث فرض نظام "عفاش" سياسة الأمر الواقع متجاهلاً القرارات الدولية، وبدأ بنسب كل منجز ثقافي، أو اجتماعي، أو اقتصادي حضرمي إلى الهوية اليمنية، سواء في الداخل أو المهاجر.
ظهرت مقاومة طبيعية وعفوية من الحضارم -خاصة كبار السن- للحفاظ على هويتهم من الطمس السياسي المتعمد. وفي هذا السياق، صرح عبد الكريم الإرياني في أكثر من مقابلة متباهياً: "لقد نجحنا بضم حضرموت إلى اليمن، وأصبح الحضرمي جزءاً من اليمن"، وهو تصريح يصب في اتجاه محاولات التذويب.
حتى في البرامج الإعلامية، يُصر المذيعون على صبغ المغترب الحضرمي في آسيا وإفريقيا بالهوية اليمنية قسراً، باستثناء بعض الإعلاميين العرب الذين ينصفون الخصوصية الحضرمية مع إدراكهم لواقع الدولة الموحدة.
إننا ندعو اليوم كل حضرمي، في المهجر والداخل، إلى التمسك بالهوية الحضرمية، وتدريسها للأجيال الناشئة من أبناء وأحفاد المهاجرين.
على كبار السن والمثقفين العمل على إحياء هذه الهوية، وتعليم الأبناء اللغة العربية، والعادات، والسلوك الحضرمي الأصيل، حتى لا تضيع الهوية في غفلة من الزمن بفعل مساعي الخصوم.
إن الهوية اليمنية قد تكون واقعاً سياسياً فُرِض على شعب حضرموت، ولكن يبقى من الواجب والضرورة بمكان أن نميز وبوضوح بينها وبين الهوية الحضرمية الأصيلة والتاريخية.