الافتتاحية:
في مسرح مونديال 2026، تتكرر اللقطة ذاتها التي باتت كلاسيكية في الرياضة الحديثة: ملعب يغصّ بمائة ألف مشجع، الدقيقة الأخيرة من الوقت بدل الضائع، لاعب ذو بشرة سمراء داكنة يسدد ركلة جزاء حاسمة أو يحرز هدف الخلاص لصالح منتخب دولة غربية كبرى. في هذه الدقيقة بالذات، يُحمل اللاعب على الأعناق كـ "أيقونة وطنية"، وتتحول هويته المهاجرة إلى دليل على نجاح نموذج "الاندماج الغربي".
لكن هذه الصورة الاحتفالية تخفي خلفها تياراً عميقاً من النفعية البراغماتية. ففي الوقت الذي كان فيه الساسة في المنصات الشرفية يصفقون للاعبين من أصول أفريقية، كانت البرلمانات في العواصم ذاتها تبحث آليات تشديد القوانين لإقصاء الفئات الإثنية التي ينتمي إليها هؤلاء اللاعبون.
هذا التناقض البنيوي بين "الحاجة الوظيفية" و"القبول الإنساني" يعيدنا إلى صرخة تاريخية أطلقها الشاعر الجاهلي عنترة بن شداد العبسي قبل خمسة عشر قرناً، واختصر فيها سيكولوجية التمييز الطبقي والعرقي بقوله:
يُنادُونَني في السِّلمِ يَا بنَ زَبيبَةٍ ... وَعِندَ صِدَامِ الخَيلِ يَا بنَ الأَطَايِبِ
أولاً: الترجمة المعاصرة لصرخة عنترة
إن بيت عنترة بن شداد ليس مجرد زفرة ألم شخصية، بل هو توصيف دقيق لظاهرة "العنصرية النفعية"، حيث يتم تعليق الأحكام العنصرية مؤقتاً لغرض الاستفادة من مهارة أو قوة الفرد المُستضعَف، دون أن يترتب على ذلك اعتراف حقيقي بآدميته الكاملة في أوقات الاستقرار.
في الملاعب الحديثة، لا نجد ترجمة حرفية لبيت عنترة أصدق مما قاله المهاجم البلجيكي روميلو لوكاكو في مقالته الشهيرة:
"عندما كانت الأمور تسير بشكل جيد، كنت أقرأ في الصحف: روميلو لوكاكو، المهاجم البلجيكي. وعندما كانت الأمور تسير بشكل سيئ، كانوا يكتبون: روميلو لوكاكو، المهاجم البلجيكي من أصل كونغولي".
هذه الشهادة الحية ليست حالة معزولة، بل تؤكدها وقائع إحصائية ملموسة:
أزمة نهائي يورو 2020: بمجرد إهدار اللاعبين الإنجليز ذوي البشرة السمراء (بوكايو ساكا، وماركوس راشفورد، وجادون سانشو) لركلات الترجيح، تحولوا في غضون دقائق من "أبطال بريطانيا العظمى" إلى أهداف لأكثر من 120 ألف تغريدة ورسالة عنصرية مسيئة وموثقة على وسائل التواصل الاجتماعي، تطالبهم "بالعودة إلى بلدانهم".
كيليان مبابي (فرنسا): واجه مبابي موجة عنصرية شرسة عقب إهداره ركلة ترجيح في بطولة أوروبا 2021، وصلت إلى حد نعته بـ "القرد" في الشوارع ومنصات الإنترنت، مما دفعه للتفكير في اعتزال اللعب دولياً بسبب صمت الاتحاد الفرنسي للكرة، رغم أنه كان النجم الأول الذي قاد فرنسا لرفع كأس العالم 2018.
ثانياً: المعالجة الإسلامية للرق.. بنية تشريعية ومؤسساتية
لم تكن مواجهة الإسلام لظاهرة الرق والتمايز العرقي مجرد وعظ أخلاقي أو خطابة عاطفية، بل تأسست على أدوات تشريعية واقتصادية صارمة فككت هذه البنية التاريخية العميقة التي كانت عصب الاقتصاد العالمي آنذاك:
مأسسة التحرير (نظام المكاتبة): أقرّ الفقه الإسلامي حق العبد قانونياً في توقيع عقد مالي مع مالكه لشراء حريته (المكاتبة)، وألزم التشريع المالك بمساعدته مالياً من خلال الآية الكريمة: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ.
التمويل الحكومي للعتق: خصص الإسلام سهماً ثابتاً من موارد الدولة الرسمية (فريضة الزكاة) لفك الرقاب وتحرير العبيد، بنص القرآن الكريم في مصارف الزكاة الثمانية: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ... وَفِي الرِّقَابِ، وهو أول نظام دولي يخصص ميزانية حكومية دورية لتحرير المستضعفين.
التفكيك القانوني للطبقية: حرم الإسلام التمايز العرقي واعتبره من بقايا الجاهلية؛ وتجسد ذلك عملياً في تقديم الموالي والعبيد المحررين لقيادة الدولة والجيش والفتوى؛ كإسناد إمارة الجيش لأسامة بن زيد وهو شاب أسمر البشرة، وتكليف بلال بن رباح بالأذان كرمز للسيادة الإيمانية، وتنصيب عطاء بن أبي رباح (وهو من الموالي) مفتياً لمكة المكرمة في عهد بني أمية، مما أحدث اندماجاً بنيوياً كاملاً قضى على الرواسب العرقية تدريجياً.
ثالثاً: نفاق القوانين في "القارة البيضاء"
بينما يستمر الإعلام الرياضي الغربي في تسويق الملاعب كمساحات للتسامح، تُظهر الأروقة السياسية والتشريعية في أوروبا مساراً معاكساً تماماً يعيد إنتاج التمايز على أسس اللون والدين والجغرافيا:
قانون الهجرة الفرنسي الجديد (2024): الذي تم تمريره بدعم من تيار اليمين المتطرف بقيادة مارين لبان، والذي يفرض شروطاً صارمة لتقليص المساعدات الاجتماعية عن الأجانب، وقيوداً على لم شمل العائلات، وإلغاء تلقائية الحصول على الجنسية لأبناء المهاجرين المولودين في فرنسا. وتكمن المفارقة في أن هذا القانون تم إقراره في ذات الفترة التي تستعد فيها فرنسا للتباهي بمنتخباتها المتنوعة عرقياً في المحافل الدولية.
سياسات الترحيل الخارجي مثل: التوجه البريطاني لترحيل طالبي اللجوء، والاتفاقيات الإيطالية (بقيادة حكومة جورجيا ميلوني) مع دول مثل ألبانيا وتونس لإنشاء مراكز احتجاز وتصفية للمهاجرين خارج الحدود الأوروبية، مما يعزز فكرة إقصاء "الآخر" جغرافياً وعزله وراء البحار.
التمييز البصري في أزمات اللجوء: تجلى الفصام الأخلاقي جلياً في التغطيات الإعلامية والقرارات الحكومية لعام 2022 أثناء أزمة اللجوء الأوكراني؛ حيث فُتحت الأبواب والمنازل للاجئين الأوروبيين بوصفهم "يشبهوننا ولديهم عيون زرقاء" بحسب تعبيرات موثقة لـمذيعين ومسؤولين غربيين، في مقارنة صريحة مع اللاجئين القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا الذين واجهوا الأسلاك الشائكة والصد العنيف.
خاتمة: مجتمعات تبني أمجادها على الرمال
يكشف المشهد الراهن في مونديال 2026 أن المفهوم الحديث للمواطنة في الغرب يواجه أزمة قيمية حادة؛ إذ يُعامل المهاجر وصاحب البشرة السمراء كشريك كامل الحقوق فقط عندما يكون مصدراً لـ "المنفعة" (الرياضية، الاقتصادية، أو الخدمية)، بينما يُستعاد الخطاب العرقي الإقصائي وتُسن القوانين المقيدة بمجرد زوال الحاجة أو حدوث تعثر اقتصادي وسياسي.
سيبقى بيت عنترة العبسي وثيقة سوسيولوجية خالدة تعرّي هذا النفاق الحضاري المتكرر؛ فالمجتمع الذي لا يرى في الإنسان قيمة مطلقة ومستقلة عن أدائه الوظيفي ونفعه المادي، سيظل مجتمعاً مأزوماً، وسيبقى أبطاله السمراء يدركون جيداً أن تصفيق الجماهير لهم في الدقيقة التسعين، لا يحميهم من أن يصبحوا أهدافاً لقوانين الطرد والتهميش في صبيحة اليوم التالي.