أعاد قرار سحب درجة الدكتوراه من الفيزيائي الفرنسي الشهير إتيان كلاين طرح سؤال يتجاوز شخصه وقضيته الخاصة ليصل إلى جوهر العلاقة بين المعرفة والأخلاق.
فالقضية لم تتعلق بعالم مغمور أو باحث مجهول وإنما تمحورت حول شخصية ارتبط اسمها لعقود بالدفاع عن العقل العلمي وتبسيط الفيزياء وفلسفة العلوم.
ومع ذلك لم تتردد المؤسسات الجامعية الفرنسية في مراجعة أطروحة نوقشت قبل أكثر من ربع قرن وانتهت إلى سحب الدرجة العلمية بعدما رأت أن معايير النزاهة الأكاديمية قد انتُهكت.
وتكمن أهمية هذه الحادثة في أنها تعكس استعداد المؤسسات العلمية لمراجعة ذاتها حتى عندما يتعلق الأمر بأسماء معروفة ومكانات راسخة.
فالمعرفة في نهاية المطاف لا تستمد شرعيتها من شهرة أصحابها وإنما من سلامة المسار الذي أنتجها.
ومن هنا يبرز سؤال ملح في العالم العربي: هل تمتلك مؤسساتنا الأكاديمية الجرأة ذاتها على مراجعة تاريخها العلمي وإعادة فحص ما تراكم فيه من أخطاء وتجاوزات؟
ومراجعة نخبة المفكرين ومسؤولي التعليم العالي وحتى المعلم التربوي في المدرسة حيث أن خيانة المعرفة وخيانة الضمير وسوء الإدارة يعطلان إمكانية أي دولة ومواردها الطبيعية والبشرية وهذه أعظم أزمة حظي بها العالم العربي في تاريخنا المليء بالشهادات والعجز عن إنتاج حضارة أو دولة قادرة على أن تكون جزءا من التنمية العالمية أو تنمية ذاتها والاستقلال عن غيرها في أقل ما يمكن أن تنتجه الارادات الوطنية العاجزة .
وهنا لا يتعلق الأمر بحالات فردية من النسخ أو النقل غير المشروع بقدر ما يتعلق بظاهرة أوسع وأعمق من سرقة بحوث بأكملها واستئجار أشخاص للكتابة بالنيابة بل إن الأمر يصل إلى حد سرقة المشاريع الفكرية التي تقدم رؤى وطنية فتتحول إلى زعامة معرفية تضر بشكل رئيس بإرادة التغيير وتنمية المعرفة.
فالانتحال الأكاديمي في كثير من البيئات العربية تجاوز الضمير المعرفي وانفرط عن أخلاقية الإنسان وقيمه وتحول من ظاهرة فردية متكررة إلى أن أصبح جزءا من ثقافة مؤسسية تشكلت عبر عقود من التراكمات الإدارية والأكاديمية وتباركها لجان التحكيم العاجزة .
وفي ظل غياب المحاسبة وضعف آليات التدقيق تحولت بعض أشكال السرقة الفكرية إلى ممارسات مألوفة لا تثير الاستغراب بقدر ما تثير الاعجاب واصبحت قي كثير من الأحيان مصدر من مصادر الكسب المادي الذي يبيع الفشل ويقض ثمنه .
لقد نشأت في العديد من البلدان العربية أسواق موازية للبحث العلمي تتاجر بإعداد الرسائل الجامعية والأبحاث ومشروعات التخرج وفي كثير من الاحيان نجد أن الاستاذ المشرف يتقاضى قيمة ما يكتبه لطالبه الذي يشرف عليه.
وقد أصبحت بعض المكاتب والمراكز تقدم خدمات متكاملة تبدأ من صياغة عنوان البحث ولا تنتهي عند إعداد الرسالة كاملة أو نشرها في مجلات علمية وقد وجدنا ذلك أينما وجد الطالب العربي حتى في شوارع أوروبا وأمريكا وهنا تأتي إشكالية الابتعاث وإدارة التعليم العالي.
وفي مثل هذه البيئات يصبح الباحث الحقيقي مغيب في ظل وجود هذه اللوثة الأكاديمية وتسييس العلم وتوظيفه كالتدين المعاصر تماما بينما تتحول الشهادة العلمية إلى سلعة قابلة للبيع والشراء.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في النسخ الحرفي للنصوص وإنما في سرقة الأفكار نفسها.
فكم من باحث شاب فقد مشروعه العلمي لصالح أستاذ أكثر نفوذا؟
وكم من فكرة تحولت من صاحبها الأصلي إلى اسم آخر يملك سلطة أكاديمية أو إدارية أكبر؟ وكم من باحثين وجدوا أنفسهم خارج قوائم المؤلفين في أبحاث ساهموا فعليا في إنتاجها؟.
إنها ممارسات لا تكشفها برامج فحص التشابه النصي لأنها تجري داخل شبكات النفوذ والعلاقات غير المتكافئة.
واللافت أن هذه الظواهر لا تقتصر على المؤسسات الضعيفة أو الجامعات محدودة الإمكانات وإنما تظهر غالبا ومعظما داخل مؤسسات تتباهى بالاعتمادات الدولية ومؤشرات التأثير العالمية.
إن الأرقام لا تقيس النزاهة كما أن التصنيفات لا تكشف حقيقة ما يجري داخل المختبرات ومراكز البحوث وغرف الإشراف الأكاديمي.
وهنا يمكن لأي مؤسسة أن تحقق حضورا عالميا لافتا بامكانياتها المالية بينما تخفي في داخلها ممارسات تتناقض مع أبسط مبادئ الأمانة العلمية.
لقد أدى الهوس المتزايد بالنشر العلمي والترقيات والمؤشرات الرقمية في تحويل المعرفة إلى نشاط بيروقراطي يخضع لمنطق الكم أكثر من خضوعه لمنطق الحقيقة.
وأصبح إنتاج الأوراق العلمية هدفا بحد ذاته بغض النظر عن قيمتها الفعلية أو أصالتها الفكرية.
وفي مثل هذا المناخ تنمو أشكال متعددة من التحايل والانتحال وإعادة تدوير الأفكار والنصوص.
إن الأزمة الحقيقية ليست أزمة نصوص منسوخة وإنما أزمة ضمير أكاديمي.
فحينما تفقد الجامعة قدرتها على حماية الأمانة العلمية فإنها تفقد مبرر وجودها وهدفها في ادارة وإنتاج المعرفة.
وعندما يصبح النفوذ أقوى من الحقيقة والعلاقات أقوى من الكفاءة والشهادة أهم من العلم فإن البحث العلمي يتحول إلى نشاط شكلي يفتقر إلى روحه الأخلاقية.
من هنا تبدو قضية إتيان كلاين ليحرك الوعي المؤسسي الرقابي بشخصيات موضوعية كفؤة مرهون موقعها بقدرتها الأكاديمية أكثر من كونها حدثا فرنسيا.
إنها تذكير بأن المعرفة الحقيقية لا تخشى المراجعة وأن المؤسسات القوية هي تلك التي تمتلك الشجاعة لمحاسبة نفسها قبل أن يحاسبها الآخرون وربما يحتاج العالم العربي اليوم إلى مراجعة أخلاقية شاملة للبحث العلمي ليس بهدف التشهير بالأشخاص أو هدم المؤسسات وإنما بهدف استعادة الثقة في قيمة المعرفة نفسها.
فالأمم لا تنهض بعدد الرسائل الجامعية ولا بعدد الألقاب العلمية وإنما تنهض عندما تصبح الأمانة الفكرية قيمة أعلى من المصالح الشخصية وعندما يكون احترام الحقيقة أقوى من إغراءات الشهرة والسلطة.
وعندها فقط يمكن للجامعة أن تستعيد دورها بوصفها بيتا للمعرفة وليست مصنعا للشهادات المزورة بشرعية مؤسسية .
ومن مظاهر هذا التصحيح إعادة السيادة للمعرفة وحدها وليس للنفوذ ورفع مكانة الأكاديمي بقدر ما لديه من الروح المعرفية والقدرات العلمية والأخلاق القيمية والقيم الوطنية والتواضع الذي يجعله قطبا لالتقاط المعرفة أيا كان مصدرها وتوثيقها ولو كانت عبارة من عبارات نساء نسيابور .