آخر تحديث :السبت-20 يونيو 2026-10:45م

ماذا يحصلُ في عدن؟

الجمعة - 12 يونيو 2026 - الساعة 03:44 م
محمد الجعمي


في عام 2018، وقفتُ على ضفاف بحر العرب في عدن أرقبُ موجَ البحر والشمس تجنح للغروب.

كانت المدينة مطوّقة بالجندِ والحرّاس، والمساءات رتيبة بلا عطر، والأُنسُ غائبًا.

كتبتُ حينها قصيدة "مَا ضَاقَتِ الأَرْضُ"، وقد اختمرتِ الفكرةُ في صدري وأنا أسأل: أين ذهبَ الجُلّاس؟ لماذا صار المكانُ موحشًا رغم أن البحرَ جميلٌ والأنسامَ طيبة؟


منذ ذلك الحين، والأوضاعُ في تدهورٍ واحتقان. الجهلُ الذي وصفتُهُ بالمعضلة تحوّل إلى واقعٍ معيش، وزارعو الأحقادِ ما زالوا يتقنون دورَ الخنّاس. البلادُ التي شاختْ ملامحُها ازداد وصفُها صعوبةً على كل حبرٍ وقرطاس.


هذه القصيدة ليست بكاءً على الأطلال، بل شهادةُ شاعرٍ لاذ بالشعر حين فاضت مدامعه. هي محاولة للبوح الصادق في زمنٍ شحّت فيه غيومُ المنى والأرضُ مقفرة، لكن النفس ما زالت توّاقة لصبحٍ ميّاس.


أعيد نشرها اليوم لأن الأبيات التي كتبتها قبل سبع سنوات لم تكن رصدًا للحظة عابرة، بل صارت وثيقةً لوجع ممتد.

الأرض لم تضق يومًا. الضيق الحقيقي سكن الصدور قبل أن يسكن الشوارع، وسكن من صادروا البحر وخنقوا الأنسام

وبددوا صفو الليالي والأيام.


السؤال الذي صدح به صدى الأشعار ما زال معلقًا: "مَتَى سَتُقْرَعُ لِلأَحْلَامِ أَجْرَاسُ؟"

وإجابتي التي أتمسك بها: ما زال للمجد في أيامنا سفر ومواعيد، وفي الدروب مسرات وأعراس مؤجلة، ما دامت الأرض لم تضق... لكن ضاقت الناس.

ولا بدّ من الأمل رغم رتابة الواقع وضبابية الرؤية،


---


مَا ضَاقَتِ الأَرْضُ..


عَلَى شِرَاعِ المُنَى كَمْ أَبْحَرَ النَّاسُ،

وَبَاحَ بِالشَّوْقِ وَالأَشْجَانِ إِحْسَاسُ.


مِنْ ضَوْعِ تَغْرِيدَةٍ بِالحُبِّ كَمْ عَبِقَتْ

هَذِي الرُّبَا، وَانْتَشَتْ بِالعِطْرِ أَنْفَاسُ.


فَاغْنَمْ مِنَ البَوْحِ مَا طَابَتْ مَنَاهِلُهُ،

وَاشْرَبْ نَدَى الشِّعْرِ، لا خَمْرٌ وَلا كَاسُ.


مَا زِلْتُ أَذْكُرُ، يَا لَيْلَى، كَلَامَ أَبِي:

الصِّدْقُ مَكْرُمَةٌ، وَالكَذِبُ إِفْلَاسُ.


وَكُلَّمَا عَنَّ حَرْفٌ فِي مُخَيِّلَتِي،

أَضَاءَ مِنْ عَتَمَاتِ الرُّوحِ نِبْرَاسُ.


كَمْ لَاذَ بِالشِّعْرِ مَنْ فَاضَتْ مَدَامِعُهُ،

وَطَافَ فِي رَدَهَاتِ اللَّيْلِ عَسَّاسُ.


مَا زَالَ لِلْمَجْدِ فِي أَيَّامِنَا سَفَرٌ،

وَفِي الدُّرُوبِ مَسَرَّاتٌ وَأَعْرَاسُ.


هُنَا أَعَادَ صَدَى الأَشْعَارِ أَسْئِلَةً:

مَتَى سَتُقْرَعُ لِلأَحْلَامِ أَجْرَاسُ؟


هَذِي البِلَادُ الَّتِي شَاخَتْ مَلَامِحُهَا،

كَمْ حَارَ فِي وَصْفِهَا حِبْرٌ وَقِرْطَاسُ.


شَحَّتْ غُيُومُ المُنَى، وَالأَرْضُ مُقْفِرَةٌ،

وَالنَّفْسُ تَوَّاقَةٌ، وَالصُّبْحُ مَيَّاسُ.


وَقَفْتُ أَرْقُبُ مَوْجَ البَحْرِ فِي عَدَنٍ،

وَقَدْ أَحَاطَ بِهَا جُنْدٌ وَحُرَّاسُ.


مَنْ يُخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ الجَهْلَ مُعْضِلَةٌ،

وَأَنَّ مَنْ يَزْرَعِ الأَحْقَادَ خَنَّاسُ؟


هُنَا المَسَاءَاتُ لا عِطْرٌ يَفُوحُ بِهَا،

أَلَمْ يَكُنْ هَاهُنَا أُنْسٌ وَجُلَّاسُ؟


غَيْمٌ عَلَى البَحْرِ، وَالأَنْسَامُ طَيِّبَةٌ،

مَا ضَاقَتِ الأَرْضُ، لَكِنْ ضَاقَتِ النَّاسُ.


محمد ناصر شيخ الجعمي