آخر تحديث :الأربعاء-29 يوليو 2026-12:13ص

هل تعيد الثورة اليمنية تصحيح مسار المكونات أم تؤسس لنموذج جديد ؟

الخميس - 11 يونيو 2026 - الساعة 02:16 م
د. جمال الهاشمي


تطرح الأزمات الكبرى فرضيات تتجاوز الحياة السياسة السائدة إلى جوهر البنية الاجتماعية والسياسية للدولة.

وفي اليمن لم تعد القضية محصورة في إخفاق حكومة أو تعثر تسوية أو استمرار الحرب وإنما أصبحت مرتبطة بقدرة المكونات السياسية والاجتماعية نفسها على الاستجابة لمتطلبات الدولة الحديثة.

ومن هنا يبرز التساؤل الرئيس .. هل يمكن لثورة يمنية جديدة أن تعيد تصحيح مسار هذه المكونات المتنافسة على الجغرافيا والمصالح والنفوذ والسلطة .. أم أنها سيتبين عجزها عن مواكبة التحولات التي يشهدها المجتمع؟

لقد نشأت معظم المكونات اليمنية التي تتقاسم النفوذ والسلطة في سياقات تاريخية مختلفة عن السياقات والتحولات الدولية الراهنة .

فالأحزاب السياسية تشكلت في ظل صراعات أيديولوجية تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة على إنتاج ذاتها أو تجديدها برؤية مدنية متزامنة لتحولات العالم والقبيلة تطورت بوصفها إطارا تقليديا للحماية الاجتماعية قبل نشوء الدولة الوطنية وخلال الدولة الجمهورية التي سمحت بسيادة الأعراف على الشريعة والعادة على القانون والنزعات الجهوية على القيم الإنسانية.

أما الحركات المسلحة فقد ولدت من رحم المظالم والصراعات المحلية وادارة الارهاب بينما عاشت النخب التقليدية لعقود طويلة على إدارة التوازنات وتقاسم المصالح أكثر من تفعيل قيم التنمية والدولة المدنية العادلة ومع تغير البيئة المحلية والإقليمية والدولية وجدت هذه المكونات نفسها أمام تحديات تتجاوز الأدوات التي اعتادت استخدامها من التسول بالأخوة أو توظيف الإرهاب أو التهديد بالقوى السياسية القومية والعقائدية.

وخلال فترات حكومة النخب التقليدية اليمنية التي فشلت في صناعة المواطن كانت اليمن وسيلة من وسائل الإرهاب أو الاستجداء بينما كانت المجتمعات ممزقة أفرادا في البحث عن سبل البقاء الأدنى في ظل استثمار الفشل بدلا من صناعة التنمية.

ومع الثورة سقطت أضعف الحلقات في النظام والتي كانت توازن بين هذه المصالح بينما بقيت قوى المصالح بعد سقوطه تتقاسم الجغرافيا والسلطة بالقوة والتهديد والإرهاب أو التعطيل .

إن الثورات في جوهرها تفرزها لحظات تاريخية تختبر صلاحية النخب والمؤسسات والأفكار.

اي انها لا تمنح الشرعية تلقائيا لأي مكون بقدر ما تضع الجميع أمام امتحان القدرة على التجدد.

ولذلك فإن أي ثورة يمنية قادمة- والتي بدأت في سلسلة متنوعة من العصيان المدني والمظاهرات والاحتياجات على تدني الخدمات والواقع المعيشي من جهة أو قد تتخذ فلسفة عنف جديدة تستهدف القيادات الميدانية لأطراف المكونات أو الانحياز إلى معسكرات قادرة على دفع الرواتب - قد لا تكون وسيلة لإنقاذ المكونات القائمة بقدر ما تكون أداة لقياس قدرتها على البقاء ؛ فالمكون الذي يمتلك قابلية المراجعة والتطوير ويتواكب مع إدارة التنمية واحتياجات المجتمع قد يجد في الثورة فرصة لإعادة بناء نفسه وتطويرها ببرامج اصلاحية مواكبة للعالمية والاقليمية والمحلية بينما قد تكتشف المكونات الجامدة أن رصيدها التاريخي لم يعد كافيا لضمان استمرارها وهنا قد تتلاشى في صراعات محلية أو تستخدم العنف والإرهاب الاجتماعي حتى تجد نفسها أمام ثورة اجتماعية مقاومة أو أمام سلسلة من التمردات والاغتيالات والعنف التي قد تستهدف غالبا وفي البداية القوى الميدانية مما يجعل من العمل الميداني لاطراف المكونات مكلفا ومرهقا .

لقد كشفت سنوات الحرب أن كثيرا من القوى السياسية نجحت في إدارة الصراع أكثر مما نجحت في بناء الدولة وأن التنافس على النفوذ وتقاسم المصالح والوظائف العامة تقدم في فلسفتها ورؤيتها على التنافس في تقديم البرامج واستراتيجيات بناء الدولة الوطنية وقدمت الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية وتحولت مؤسسات الدولة إلى ساحات لتقاسم السلطة بدلا من أن تكون أدوات لخدمة المجتمع.

وفي مثل هذه الظروف تصبح الثورة إن حدثت تعبيرا عن أزمة الثقة بين المجتمع ومكوناته السياسية قبل أن تكون مواجهة مع سلطة بعينها. . لكن الثورة وحدها لا تكفي لتصحيح المسار.

فالتاريخ يقدم نماذج كثيرة لثورات أسقطت أنظمة دون أن تنجح في إنتاج بدائل أفضل منها وهذه ثورات الربيع شاهدة على ذلك.

لذلك فإن نجاح أي حراك تغييري في اليمن سيظل مرهونا بقدرته على الانتقال من منطق إسقاط الواقع إلى منطق بناء البديل وهل القوى التي ستقود اليمن تمتلك مشروعا للدولة يتجاوز منطق المحاصصة والعنف والمغالبة والانقسام.

وربما تكمن المفارقة في أن الثورة قد تؤدي إلى نتيجتين متزامنتين فإما أن تصحح مسار بعض المكونات عبر دفعها إلى مراجعة أخطائها وتجديد خطابها وأدواتها وتخرج من دائرة التنظيم والانطلاق الذهني والإغلاق.

وعندها ستتحول الثورة الى عملية فرز تاريخي بين قوى قادرة على التكيف مع المستقبل وقوى فقدت مبررات وجودها.

إن مستقبل اليمن لن يتحدد بقدرة المكونات على الحفاظ على مواقعها وإنما بقدرتها على التحول من كيانات تبحث عن حصتها في السلطة إلى قوى تؤمن بأن الدولة هي الإطار الجامع للجميع.

وعندما تصبح الدولة مشروعا أعلى من المكون والوطن أوسع من الجماعة عندها فقط يمكن للثورة أن تكون حركة تصحيحية تاريخية وليست حلقة جديدة في سلسلة الأزمات اليمنية المتعاقبة.

وعندما نتذكر الثورة الفرنسية في التاريخ السياسي الحديث فإن ما يتبادر إلى الذهن سقوط نظام الملكية عام 1789 وما رافق ذلك من أحداث كبرى غيرت وجه أوروبا.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه الثورة لا تكمن في إسقاط النظام القديم فحسب وإنما في نجاحها في إحداث تحول عميق في مفهوم الدولة والمواطنة.

وهنا نجد أن الثورات لا تخلد لأنها أطاحت بحكام ونظام وإنما لأنها نجحت في بناء منظومات جديدة أكثر قدرة على الاستمرار من الأنظمة التي سبقتها.

لقد كانت فرنسا قبل الثورة منقسمة بين طبقات وفئات وجهات تتمتع بامتيازات متفاوتة وكانت السلطة السياسية والاقتصادية مركزة في يد نخبة تقليدية محدودة.

ومع تصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لم يعد كما هو في اليمن صراع على السلطة وإنما تحول إلى صراع حول طبيعة الدولة نفسها.

ومن رحم هذه الأزمة ولدت فكرة جديدة قوامها أن السيادة للأمة لا للأفراد وأن المواطن هو أساس الشرعية السياسية وليس النسب أو الامتياز الطبقي.

وعلى الرغم من أن الثورة الفرنسية مرت بمراحل من الفوضى والعنف والحروب الداخلية والخارجية إلا أنها بسبب استمرار الحراك الشعبي والصراعات نجحت في النهاية في ترسيخ مبادئ ظلت قائمة حتى بعد سقوط قادتها وتغير أنظمتها السياسية حتى مع تغير أنظمة الحكم بين الملكية والجمهورية والإمبراطورية وبقيت فكرة الدولة الوطنية والمواطنة المتساوية حاضرة وأصبحت أساس النظام السياسي الحديث.

ومن هنا تبرز أهمية المقارنة مع الحالة اليمنية فاليمن يعيش منذ سنوات أزمة اقطاعيات وفيات تقليدية تتجاوز حدود الصراع السياسي التقليدي المزمن لتصل إلى سؤال الدولة والهوية الوطنية.

وكما واجهت فرنسا في القرن الثامن عشر تحدي الانتقال من مجتمع الامتيازات إلى مجتمع المواطنة يواجه اليمن اليوم تحدي الانتقال من تعدد الولاءات الضيقة إلى إطار وطني جامع.

غير أن الانقسامات اليمنية لا تقوم على الطبقات الاجتماعية وحدها بل تتداخل فيها الاعتبارات القبلية والمناطقية والسياسية والحزبية والمذهبي مما يجعل عملية التحول أكثر تعقيدا.

إن الدرس الأبرز الذي تقدمه الثورة الفرنسية لليمن لا يتعلق بآليات التغيير أو أشكال الاحتجاج وإنما يتعلق بالهدف النهائي للثورة.

فالثورات التي تكتفي بإسقاط النخب الحاكمة دون بناء عقد وطني جديد غالبا ما تعيد إنتاج الأزمات بأشكال مختلفة.

أما الثورات التي تنجح في تحويل الانتماء من الجماعة إلى الوطن ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للمؤسسات فإنها تضع الأساس لقيام دولة مستقرة وقادرة على البقاء.

ولقد أثبتت تجارب الأمم أن بناء الدولة لا يتحقق بانتصار جماعة على أخرى وإنما عندما تنتصر فكرة الوطن على جميع الجماعات.

فنجاح الثورة الأمريكية ارتبط بإنشاء اتحاد سياسي يتجاوز حدود الولايات ونجاح الهند بعد الاستقلال ارتبط بقدرتها على احتواء تنوعها الهائل داخل مشروع وطني واحد كما استطاعت دول عديدة تجاوز انقساماتها التاريخية عندما جعلت المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة.

وفي المقابل فإن المجتمعات التي ظلت تتقعر بالهويات الفرعية القبلية والايدلوجيات الفرعية دخلت في دوائر متكررة من العنف وعدم الاستقرار لأن الصراع فيها لم يكن حول البرامج والسياسات وإنما حول الوجود والهوية والسلطة.

وعندما تصبح السياسة امتدادا للانقسام الاجتماعي تتحول الدولة إلى فوضوية صراعية مزمنة.

وعليه فإن الثورة اليمنية الحقيقية ليست تلك التي تستبدل مكونا بمكون أو سلطة بأخرى وإنما تلك التي تنجح في إعادة تعريف العلاقة بين اليمنيين والدولة.

إنها الثورة التي تجعل المواطن سابقا للقبيلة والوطن أوسع من الجهة والقانون أعلى من العصبية والمصلحة العامة فوق المصالح الفئوية.

عندها فقط يمكن الحديث عن ثورة تصحح مسار التاريخ بدلا من أن تصبح فصلا جديدا من فصول الأزمة.

ف

ويعلمنا التاريخ أن الدول لا تنهض بانتصار الجماعات ولا الجهويات وإنما بانتصار الفكرة الوطنية الجامعة.

ولهذه الأسباب فشلت ثورة الجمهورية لأنها ولدت بقيم من خارجها وفشلت ثورة الربيع للسبب ذاته .

وإذا كانت الثورة الفرنسية قد نجحت لأنها صنعت الأمة الفرنسية فإن نجاح أي ثورة يمنية مستقبلية سيقاس بقدرتها على صناعة المواطن اليمني باعتباره المرجعية الشرعية الواقعية والقيم تكون بمثابة المرجعية العليا للدولة والمجتمع معا .

هنا تأتي إشكالية التوازن بين شرعية الفرد من خلال منظومة البيغة أو العقد الاجتماعية وشرعية القيم التي تعبر عن الهوية المجتمعية لتاريخ المجتمع وفلسفته .