لا يمكن لأي إنسان منصف أن يلوم المواطنين على غضبهم اليوم، فالمعاناة التي يعيشها الناس في عدن أصبحت فوق طاقة الاحتمال. ساعات طويلة من انقطاع الكهرباء، وحرارة خانقة، وأوضاع معيشية تزداد صعوبة يوماً بعد آخر، بينما يواجه المواطن البسيط كل ذلك بصبر استمر لسنوات.
من حق الناس أن تخرج إلى الشارع وأن ترفع صوتها للمطالبة بحقوقها وخدماتها الأساسية، فهذا حق مشروع لا ينبغي مصادرته أو التعامل معه كجريمة. لكن في المقابل، تبقى سلمية الاحتجاجات واحترام حقوق الآخرين مسؤولية الجميع، من خلال تجنب قطع الطرقات وترك المجال مفتوحاً أمام المواطنين لقضاء مصالحهم والتنقل بحرية.
وما حدث من استخدام للعنف ضد بعض المتظاهرين أو المارة أمر مؤسف ومرفوض، فالمواطن الذي خرج يطالب بحقه في الكهرباء والماء والحياة الكريمة لا يستحق أن يُقابل بالقوة أو القمع. المطلوب من الجهات الأمنية أن تتعامل بحكمة وصدر رحب، وأن تحمي حق الناس في التعبير السلمي، لا أن تزيد من حجم الاحتقان والغضب.
كما أن أي تجاوزات أو اعتداءات مورست بحق المحتجين السلميين يجب أن تخضع لتحقيق شفاف ونزيه، وأن تتم محاسبة كل من أصدر أوامر القمع أو تجاوز القانون، فالدولة القوية تُبنى بالعدالة واحترام حقوق المواطنين، لا بإسكات أصواتهم أو التضييق عليهم.
وفي الوقت ذاته، فإن الحفاظ على حق التظاهر السلمي والدفاع عن حقوق المواطنين لا يعني أبداً القبول بالعودة إلى مربع الصفر أو إلى الممارسات التي سبقت عام 2011، حين كان الصوت الحر يُواجه بالقمع والتضييق. لقد قدم الجنوبيين تضحيات كبيرة من أجل توسيع مساحة الحريات والحقوق العامة، ومن غير المقبول أن يتم التراجع عن تلك المكاسب أو المساس بحق المواطنين في التعبير السلمي عن مطالبهم.
كما أن مطالب المواطنين يجب أن تبقى بعيدة عن أي محاولات للتسييس أو الاستغلال، فمعاناة الناس أكبر من أن تكون ورقة في صراع سياسي. اليوم يتحدث المواطن عن حقه في العيش بكرامة، وعن حق أطفاله في النوم دون حر، وعن حق المرضى وكبار السن في حياة إنسانية تليق بهم.
عدن لا تطلب المستحيل، بل تطالب بأبسط حقوق الحياة الكريمة. فاستمعوا لصوت الناس قبل أن يتحول الألم إلى يأس، وتعاملوا مع مطالبهم بالحلول لا بالعنف، وبالإنصاف لا بالقمع.
اللهم كن في عون أهل عدن، وفرّج عنهم ما هم فيه، واحفظ المدينة وأهلها من كل سوء.
قاسم بن جمال