آخر تحديث :الخميس-20 أغسطس 2026-03:20م

بين أنين الشعب ورفاهية المسؤولين

الأربعاء - 10 يونيو 2026 - الساعة 01:24 م
صلاح البندق


حين يجتمع الفقر والجوع وانقطاع الرواتب وتدهور الخدمات وانهيار الكهرباء في بلد واحد، فإن الحديث لم يعد عن أزمة عابرة أو ظرف مؤقت، بل عن مأساة إنسانية تثقل كاهل شعب بأكمله وتدفعه إلى حافة الاحتمال الأخير.


يعيش المواطن اليوم واقعاً بالغ القسوة. حرارة الصيف اللاهبة ورطوبة الجو الخانقة تفتك بالأجساد المنهكة، فيما يقف انقطاع التيار الكهربائي شاهداً على حجم العجز والإهمال. كبار السن أثقلهم التعب، والمرضى ضاعفت معاناتهم قسوة الظروف، والأطفال يواجهون أياماً قاسية تحت لهيب الحر، بينما تتحدث تقارير طبية عن حالات وفاة ومضاعفات صحية ناجمة عن الأوضاع المعيشية المتردية واستمرار انقطاع الكهرباء.


لقد صبر الشعب طويلاً، وتحمل من الأعباء ما تعجز عن احتماله أمم وشعوب. لكنه حين خرج إلى الساحات لم يحمل سلاحاً ولم يرفع شعاراً للفوضى، بل رفع صوته مطالباً بحقوقه المشروعة في الحياة والكرامة والعيش الكريم.


ففي صباح يوم الخميس الموافق 4 يونيو 2026، انطلقت أولى الوقفات الاحتجاجية السلمية من مدينة زنجبار، لتعلن أن معاناة الناس بلغت مداها. وفي عصر اليوم نفسه، خرجت نساء عدن إلى ساحة العروض بمديرية خور مكسر في مشهد حضاري مؤثر، أثبت أن الألم لم يعد حكراً على فئة دون أخرى، بل أصبح وجعاً عاماً يسكن كل بيت.


ثم اتسعت رقعة الاحتجاجات لتشمل مختلف مديريات عدن، وتمتد إلى المكلا والشحر وسيئون وغيرها من المدن، في رسالة واضحة مفادها أن مطالب الناس واحدة، وأن الحقوق لا تسقط بالصمت، وأن الشعوب حين تضيق بها السبل لا تجد سوى صوتها وسيلتها الأخيرة للتعبير.


وفي الوقت الذي يواجه فيه المواطن الجوع والحرمان والحر الشديد وانقطاع الرواتب والخدمات، يعيش كثير من المسؤولين بعيداً عن هذه المعاناة، متنقلين بين العواصم والمنتجعات وأماكن الترفيه، حيث تتوفر لهم ولأسرهم كل أسباب الراحة، بينما يفتقد المواطن أبسط مقومات الحياة الكريمة.


إن المسؤولية ليست لقباً يُحمل، ولا امتيازاً يُمنح، بل أمانة عظيمة وحمل ثقيل. ومن لا يشعر بآلام الناس لا يستطيع أن يدرك حجم معاناتهم، ومن لا يسمع أنين الجائع والمريض والمحتاج فلن يفهم معنى الواجب الذي تحمله أمام شعبه.


لقد أثبت التاريخ أن الشعوب قد تصبر كثيراً، لكنها لا تنسى. لا تنسى من وقف معها وقت الشدة، ولا من تركها تواجه مصيرها وحدها. كما أثبت أن الأوطان لا تُبنى بالشعارات والخطب الرنانة، وإنما تُبنى بالعدل والخدمة الصادقة وصون كرامة الإنسان.


إن ما نشهده اليوم ليس مجرد احتجاجات مطلبية، بل جرس إنذار يدعو إلى مراجعة جادة للمسار القائم، وإلى استشعار حجم المسؤولية قبل أن تتسع الفجوة بين الشعب ومن يتولون إدارة شؤونه.


ويبقى الدرس الأبلغ أن كرامة الشعوب لا تُشترى، وأن الجوع لا يُهزم بالوعود، وأن المواطن الذي يطالب براتب وكهرباء وماء وخدمات أساسية لا يطلب امتيازات، بل يطالب بحقوق كفلتها الشرائع والقوانين والأعراف الإنسانية.


فهل تصل الرسالة إلى من يعنيهم الأمر قبل أن يتحول أنين الناس إلى شهادة إدانة في صفحات التاريخ؟