بقلم: ماجود حسن السحيري
في بلادي، هكذا هي الأحزاب والمكونات والفصائل. كلما ظهرت إحداهما في السلطة بنية الإصلاح، لم يتركوها تصعد لتبني أو تُساعد، ولم يقبلوا حتى بتقييمها. بل يتحولون إلى معاول هدم. فيصبح من في السلطة عاجزاً عن مد يده ليُطعم جائعاً، بل يتحول ليشعل النار فيما تبقى من خبز الناس.
هم لا يتسابقون على تحسين معيشة الناس وخدماتها، ولا على خدمة الفقير، ولا على ترميم جدارٍ مهدّم، ولا على تضميد جرحٍ ينزف في خاصرة الوطن. بل يتسابقون على من يُفرغ الخزينة أسرع، ومن يُطفئ الضوء الأخير في عيون المجتمع، ومن يُعلّق فشله على شماعة خصمه.
في بلادنا، الكرسي ليس أمانة بل غنيمة، والمنصب ليس تكليفاً بل فرصة للانتقام من وطنٍ لم يُحسن تربيتهم. فإذا جلسوا على العرش، حوّلوه إلى محرقة، وأحرقوا معه أحلام الناس وتاريخهم وصبرهم ومعيشتهم وخدماتهم وحقوقهم. كل فريقٍ يرى في السلطة معول هدم، فإن حكمها أحدهم، عمل الآخر ليُسقط سقفها على رؤوس الجميع.
أما هناك، في البلدان الأخرى، يتعارك الساسة لا على من يأخذ أكثر، بل على من يُعطي أجمل. يتنافسون في من يزرع وردةً في شارع، ومن يفتح مدرسةً في قرية، ومن يختصر طابور المرضى أمام مستشفى. السلطة عندهم جسرٌ يعبرون عليه نحو المجد، لا خنجرٌ يطعنون به خاصرة الوطن. إن اختلفوا، اختلفوا على الزيادة ،، من يبني ناطحةً أعلى، ومن يصنع اقتصاداً أقوى، ومن يضع اسم بلاده في مقدمة الصفوف.
فيا سادة بلادي، متى تُدركون أن الكراسي زائلة، وأن اللعنة تلاحق كلاكما بذات من جعل السلطة مقبرةً للأحلام؟ متى تفهمون أن التاريخ لا يرحم، وأن الناس وإن صمتت، فإن صمتها بركان سوف تتفجر عليكم جمعا؟
أحرقتم كل شيء ولم يبقَ إلا رماد المواطن يسألكم.. بأي ذنبٍ قُتل الوطن؟
فإن لم تكونوا واعين، فاعلموا أن الأوطان لا تُحكم بالحقد، ولا تُبنى بالكراهية، ولا تزدهر بأيدٍ لا تعرف إلا الهدم.
كونوا مثل البلدان الأخرى. تنافسوا على الأجمل، لا على الأنقاض. فما أقسى أن يصبح كل شيء في بلدنا هو الموت البطيء للناس.