مقال لـ: ماجود حسن السحيري
الناس تعاني من ضآلة المرتبات إلى تأخيرها وانقطاعها، إلى حرٍّ يفتك بالأطفال والشيوخ والمرضى، وأسعار ترتفع يومًا بعد يوم، وخدمات لا وجود لها. التعليم من معلمٍ يُرثى له نتيجة أجرٍ ضئيل، إلى تلميذ لا يعي ولا يستوعب نتيجة ما هو حاصل. الصحة يموت فيها مريض الفقير نتيجة عدم قدرته على التكفل بثمن الدواء والعناية، والمعيشة كل يوم تزداد فيها أسعار المواد الغذائية بلا رقيب ولا حسيب.. وفوق هذا كله مرتبات تتأخر وتنقطع، وكهرباء تنقطع بشكل كامل.
ألم يحن وقت لحظة صدق مع أنفسنا؟ لحظة نجلس فيها لإعادة التفكير بلا قناع ولا تبرير؟ ألم توجد معنا دولة لإدارتها؟
_أين إيراداتنا؟_.. الموانئ شغالة ليل نهار، والسفن لا تكاد تغيب. الضرائب تُجمع من فم الفقير قبل التاجر. الجمارك تدخل، والنفط والغاز إذا لم يُصدَّر نتيجة ما يُشاع من مبررات فهو يُباع في الجانب المحلي، والثروة السمكية تمخر عباب البحر ومنها إلى موائد غيرنا، وتحويلات أبناء بلدنا المغتربين بالمليارات تصل كل شهر، كأنها وريد يمد القلب بالحياة.
فأين تذهب؟ لم نرَ أثرًا لذلك، ما نلاحظه فقط أن كل شيء متوقف.. إلى أن وصل الحال إلى القوت اليومي، راتب لا يصل بشكل منتظم في آخر كل شهر، رغم أنه هو ما يُعتمد عليه أساسيًا للبقاء على قيد الحياة... فأين الإنسان من كل هذه الأرقام؟ أليس هو الغاية؟ أم صار مجرد رقم يُحسب في خانة الصبر والجوع والفقر والعوز والمرض والتخلف والحر والنار والقتل والتشرد، إلى أن وصل به الحال بانتظار الموت البطيء؟
بأقل تقدير، لدينا أرض خصبة تنام عطشى تحت شمس تحرق الظهر، بينما نستورد قمحنا وأكلنا من آخر الدنيا. لدينا بحران بطول البلاد، شمال وجنوب، سمكهما يُسرق من أمام أعيننا. لدينا موقع استراتيجي تمر منه تجارة العالم، مضيق لو صرخ لاهتزت موازين الأرض، ولم نستثمره ليجعلنا بوابة الدنيا. لدينا سياحة وآثار تحكي تاريخ أمم وحضارات، مدن غارقة في الرمل، قلاع تشتكي الإهمال، جبال لو نطقت لجذبت العالم. فمن أغلق أبوابها؟ من عطّل مفاتيحها؟ من جعلها حكاية نحكيها للأحفاد بدل أن نعيشها؟
_وأين ثروتنا الأولى؟ ثروتنا التي لا تنضب، الإنسان._
كم شاب معه شهادة على الحائط، وفي يده كيس قات يبيعه على الرصيف؟ أو أصيب بحالة نفسية. كم عبقري في أغلب المجالات سئم الانتظار، فحزم حلمه في حقيبة وهاجر إن كان قادرًا، وإن لم يكن تُرك في زاوية الإهمال؟ كم ذكي مخترع دفن فكرته في صدره لأن المحسوبية والعنصرية غلبت على الكفاءات، ولأن الورشة أُغلقت والمصنع أُطفئ نتيجة انقطاع الكهرباء كل ساعة، والجمرك يأكل رأس المال قبل أن يبدأ؟
من هو المسؤول عن كل هذا؟ ومن جعل الكفاءة لعنة على صاحبها؟ من سيقنع الورد أن الذبول قدر؟
فمن الممكن القول إن للسعودية ودول اخرى نفوذًا وتدخلات حاصلة في بلادنا. فعلًا أولئك معروف أن لهم مصالح يحمونها كما تحمي كل دولة مصالحها. هذا قانون الأرض لا ننكره. _لكن النفوذ لا يلغي المسؤولية، والدول لا تُدار بالتبرير، تُدار بالقرار من إداراتها. فلا أحد يمسك أيدي قيادة دولتنا عن إصلاح مؤسسة الكهرباء. لا أحد يمنعهم من انتظام المرتبات. لا أحد يمنعهم من انتشال التعليم والصحة. ولا أحد يقول لهم: لا تحاسبوا ولا تراقبوا ولا تركبوا عدادًا في كل وزارة، ولا تُعدّوا كشف حساب وميزانيات. فلا دولة خارجية تقف على باب الخزينة لتمنعهم من ضبط تحصيل الإيرادات، أو محاربة لص فاسد. لا أحد يمنعهم من وضع ميزانية شفافة تُنشر للناس، بندًا بندًا، حتى يعرف ابن الشارع أين ذهب رياله الواحد.
فكل ما هو حاصل، نرمي فشلنا على الجار لننام مرتاحين، لأن الاعتراف موجع. لكن الحقيقة التي تقطع القلب أن _المشكلة ليست في الريح التي تهب من الخارج، المشكلة في باب المبررات الذي رفضنا إغلاقه، وفي السقف الذي رفضنا ترميمه._
فكفانا هروبًا.. الوطن لا يبنيه الغريب، ولا يهدمه إلا أهله حين يصمتون.