إن نجاح الحكومات لا يكمن في إعادة التعيين والتشكيل ولا بعدد القرارات والمراسيم الإدارية وإنما بقدرتها على تحويل تلك القرارات إلى نتائج مرئية ومحسوسة في حياة المواطنين.
ومن ثم فإن تقييم أداء حكومة الزنداني يجب أن يستند إلى معايير الإدارة العامة والسياسات العامة التي تجعل من الإصلاح عملية تراكمية معقدة تتداخل فيها العوامل السابقة على تشكيل الحكومة مع التحديات التي تنشأ أثناء ممارستها لمهامها.
لقد أشار عالم الإدارة الأمريكي بتر دريكر إلى أن الثقافة تأكل الاستراتيجية و وهي عبارة تختزل واحدة من أكبر مشكلات الإصلاح في الدول التي تعاني من أزمات مزمنة؛ إذ لا يكفي امتلاك رؤية إصلاحية أو برنامج حكومي طموح إذا كانت البيئة المؤسسية والثقافة الإدارية السائدة غير قادرة على استيعاب التغيير.
وهنا نجد أن الحكومة الحالية ورثت جهازا إداريا تعرض خلال سنوات طويلة للتشظي والتسييس وتراجع الكفاءة .. الأمر الذي جعل عملية الإصلاح أكثر تعقيدا وأصعب في معالجة الاختلالات الاقتصادية أو الخدمية.
وتذهب أدبيات السياسات العامة إلى أن نجاح أي إصلاح يتطلب وجود ما يسمى بالقدرة التنفيذية للدولة وقد أكد عالم السياسة فوكوياما أن المشكلة الأساسية في الدول المتخلفة تتركز في ضعف المؤسسات القادرة على تنفيذها.
ومن هنا فإن أي حكومة تجد نفسها أمام مؤسسات ضعيفة وموارد محدودة ومراكز قرار متعددة تصبح مضطرة إلى إدارة الأزمة بدلا من التنمية وإلى المحافظة على الحد الأدنى من الاستقرار بدلا من التفرغ لبناء إصلاحات هيكلية طويلة الأمد.
ويعد الإرث الذي سبق تشكيل الحكومة أحد أهم المحددات لقدرتها على الإنجاز في التدهور الاقتصادي وتراجع الإيرادات واختلال البنية المؤسسية وفقدان الثقة الشعبية وهذه ليست تحديات يمكن تجاوزها بسهولة ما لم تكن هناك رؤية وارادة معا .
وقد أكد هربرت سيمون على أهمية ان يعمل متخذ القرار في ظل العقلانية المحدودة، بمعنى أن القرارات الحكومية لا تصنع في ظروف مثالية وإنما ضمن قيود مالية ومعلوماتية وسياسية تجعل الخيارات المتاحة أقل بكثير من الخيارات المطلوبة.
كما أن الإصلاح الحكومي لا يتوقف على كفاءة القيادة وحدها وهذه مطلب رئيس وإنما في قدرتهم على تحقيق توافق بين الفاعلين السياسيين والمؤسسات التنفيذية.
وقد بين ماكس ويبر أن الدولة الحديثة تقوم على البيروقراطية المهنية القائمة على القواعد والإجراءات المستقرة بينما يؤدي تسييس الإدارة أو تضارب مراكز النفوذ إلى إضعاف قدرتها على أداء وظائفها الأساسية.
ولذلك فإن أي محاولة للإصلاح تصطدم عادة بمقاومة داخلية من شبكات المصالح التي نشأت في ظل الأوضاع السابقة واستفادت منها.
وعلى مستوى الأداء اللاحق لتشكيل الحكومة يمكن ملاحظة أن جزءا من التحدي يرتبط بغياب التحول من الخطاب الإصلاحي إلى البرنامج التنفيذي القابل للقياس.
فالإدارة الحديثة لا تكتفي بإعلان الأهداف وإنما يجب أن تربطها بمؤشرات أداء وجداول زمنية وآليات متابعة وتقييم.
وقد أشار روبرت كابلان في مفهوم الأداء المتوازن إلى أن المؤسسات بسبب ضعف التنفيذ وعدم القدرة على ترجمة الأهداف الاستراتيجية إلى إجراءات عملية.
كما أن تضخم التوقعات الشعبية يمثل عاملا إضافيا في الحكم على أداء الحكومات و كلما ارتفع مستوى الأزمات ارتفعت معه آمال المواطنين في تحقيق نتائج سريعة بينما تؤكد خبرات الإصلاح الإداري حول العالم أن معالجة الاختلالات المتراكمة تحتاج إلى زمن أطول من الزمن السياسي المعتاد.
ولهذا فإن الفجوة بين التوقعات والإنجازات تتحول في كثير من الأحيان إلى مصدر رئيسي لفقدان الثقة حتى وإن كانت بعض الإصلاحات قد بدأت فعليا على المستوى المؤسسي.
إن القراءة الإدارية لأداء حكومة الزنداني تقود إلى نتيجة أساسية مفادها أن تعثر الإصلاح لا يمكن تفسيره بعامل واحد أو شخص واحد.
فهناك أسباب سابقة تتمثل في الإرث المؤسسي والاقتصادي والسياسي الذي ورثته الحكومة وهناك أسباب لاحقة تتعلق بقدرتها على بناء رؤية تنفيذية متماسكة وتعبئة الموارد وتحقيق التنسيق بين المؤسسات المختلفة.
وفي ضوء أدبيات الإدارة العامة فإن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق بتغيير الحكومات فقط وإنما أيضا ببناء مؤسسات قادرة على الاستمرار بغض النظر عن الأشخاص لأن قوة الدولة في نهاية المطاف تقاس بقوة مؤسساتها لا بقوة قادتها.
إن فشل أية حكومة في تحقيق إصلاحات ملموسة لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب لكنه قد يرفع من احتمالات عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.
وفي الحالة اليمنية يمكن تصور عدة سيناريوهات متدرجة:
السيناريو الأول: استمرار الجمود وإدارة الأزمة وهو السيناريو الأكثر ترجيحا في المدى القريب.
وهنا تستمر الحكومة في أداء وظائفها الأساسية دون تحقيق إصلاحات جوهرية بينما تستمر الأطراف المختلفة في إدارة التوازنات القائمة.
وفي هذا السيناريو لا توجد حرب شاملة ولا سلام شامل وإنما هو حالة من الجمود لضمان بقاء واستمرار الوضع السائد.
السيناريو الثاني: إعادة تشكيل السلطة وهذا يكون عندما يتزايد الشعور بفشل الأداء الحكومي وبذلك تتجه القوى السياسية إلى تعديل الحكومة أو إعادة توزيع الصلاحيات أو إدخال ترتيبات سياسية جديدة.
وهذا السيناريو شائع في الأنظمة التي تعمل على امتصاص الضغوط الشعبية دون إحداث تغييرات في البنية الأساسية للنظام السياسي.
اما السيناريو الثالث: التدهور الاقتصادي والاجتماعي وإذا استمرت الأزمات المعيشية وتراجعت الخدمات العامة فقد تظهر موجات احتجاج أو توترات محلية متفرقة.
وفي أدبيات الدولة المأزومة إداريا وغير المستقلة في اتخاذ القرارات أو لا تمتلك دبلوماسية دولية وقبول شعبي- يعد الانهيار الاقتصادي من أخطر العوامل التي تهدد الاستقرار أكثر من الخلافات السياسية بين المكونات .
السيناريو الرابع: التصعيد العسكري المحدود وهنا قد تلجأ بعض الأطراف إلى التصعيد العسكري المحدود لتحسين مواقعها التفاوضية أو إعادة ترتيب موازين القوى او للفرار من المطالب الشعبية بالتحسينات الاقتصادية والخدمية والهدف من ذلك هو تحسين الوضع التفاوضي أو الحصول مكاسب اقتصادية.
أما فرضية الهروب إلى الحرب فهي فكرة معروفة في علم السياسة والعلاقات الدولية حيث قد تلجأ بعض الأنظمة أو القوى السياسية إلى خلق أزمة خارجية أو تصعيد صراع قائم لتحويل الانتباه عن المشكلات الداخلية.
وقد ناقش هذه الفكرة علماء مثل مورجانثو وجيمس فيرون في الربط بين الصراع وصنع القرار.
لكن تطبيق هذه الفرضية على اليمن يواجه إشكاليتين:
- اليمن يعيش أصلا في صراع متعدد الاطراف وبالتالي لا توجد حرب جديدة يمكن استخدامها بسهولة لصرف الأنظار عن الفشل الداخلي.
- الكلفة الاقتصادية والسياسية لأي تصعيد واسع أصبحت مرتفعة جدا على جميع الأطراف مقارنة بما كانت عليه في السنوات الأولى للحرب.
هل ستعود الحرب هروبا من الفشل
وهذا لا يمكن إلا من خلال دعم دولي لاطراف محلية ضمن فلسفة عسكرة الدولة وفلسفة الاقتصاد الحربي لتحقيق أهداف غير وطنية واذا قلنا هل سيؤدي الفشل الحكومي إلى زيادة احتمالات التصعيد بين القوى المتنافسة؟
وهنا نرى أن الفشل الحكومي يرفع من مستوى المخاطر و لكنه لا يقود تلقائيا إلى الحرب ما دام مستمرا في تحقيق منجزاته في الفشل المستمر .
ومن ثم فإن فالقرار بالحرب يتوقف على حسابات القوة والموارد والدعم الإقليمي والدولي وليس على الإخفاق الإداري وحده إلا أن يؤدي إلى عصيان مدني وثوراث جهوية أو أن تستمر سياسة الاغتيالات أو قد تقود في أسوأ الحالات إلى تهيئة البيئة المناسبة للارهاب المنظم .
و يبقى الخطر الأكبر على اليمن هو استمرار حالة تفريغ الدولة والأمن والعدل وهي الحالة التي تتآكل فيها المؤسسات تدريجيا دون وجود معركة فاصلة أو تسوية سياسية حقيقية.
وهذا النوع من الأزمات غالبا ما يكون أكثر استنزافا للدول من الحروب القصيرة نفسها أو حتى الحروب الشاملة وهو ما يعني تغيير حتمي للوجوه السياسية القائمة أو تنظيمتها لصالح قوى جديدة محلية أو مدعومة اقليميا ودوليا .