بقلم: ديان محسن الغزالي
من هنا، من عدن التي كانت يوماً نغماً يتردد في مسامع الزمن، وثغراً باسماً للجنوب والوطن العربي بأكمله. أرقب المدينة التي عُرفت بأنها لؤلؤة البحر، وحاضنة التنوع، لكنها اليوم تقف حائرة، مثقلة بجراحها، تصارع البقاء في زمن عزّت فيه أبسط مقومات العيش الكريم.
عدن الجميلة، بشواطئها الساحرة وإرثها التاريخي العريق، تحولت اليوم بفعل الإهمال والخذلان إلى ما يشبه غابة مغيبة عن خارطة الخدمات. لم يعد أبناء هذه المدينة يحلمون بالرفاهية، بل أصبحت قصارى أمانيهم شربة ماء باردة، ونسمة هواء تقيهم هجير الصيف الحارق.
الحياة هنا في فصل الصيف أصبحت لا تطاق؛ فالرطوبة الخانقة والحرارة المرتفعة تُحِيل البيوت إلى أفران بشرية، في ظل انقطاع شبه كلي للتيار الكهربائي. تخرج لتستنشق الهواء، فتجد الشوارع تئن، وملامح المواطنين قد خطّ عليها التعب والإنهاك قصصاً من المعاناة اليومية التي لا تنتهي.
إن ما يعيشه المواطن في عدن اليوم هو عقاب جماعي بكل ما تحمله الكلمة من معنى
انقطاع الكهرباء والماء: تحولا إلى معضلة أزلية تفشل كل الحكومات المتعاقبة في حلها، وكأن إضاءة منزل أو توفير مياه نظيفة بات من المعجزات.
إلى أولئك القابعين في الغرف المكيفة، البعيدين عن لهيب الشمس ومعاناة المواطن... إن الكراسي لا تدوم، والتاريخ لا يرحم.
إن الفساد المستشري، واللامبالاة، والتقاسم المخزي للمكاسب على حساب أنين الأطفال وعجز كبار السن، كلها خطايا لن تسقط بالتقادم. أنتم محاسبون أمام الله أولاً، وأمام هذا الشعب الصابر ثانياً. إن توفير الخدمات الأساسية—وعلى رأسها الكهرباء والماء وصرف الرواتب بانتظام—ليس منّة منكم ولا مكرمة، بل هو واجبكم الأول والوحيد الذي فشلتم فيه مراراً وتكراراً.
أعيدوا لعدن نورها، وأعطوا الناس حقوقهم، قبل أن يفيض الكيل ويقول الشعب كلمته الأخيرة.