آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-08:33م

كهرباء عدن.. أزمة تتكرر كل صيف وحلول مؤقتة لا تنهي المعاناة

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 07:30 م
مصطفى القطيبي


بقلم: الصحفي مصطفى القطيبي


تُعد أزمة الكهرباء في العاصمة المؤقتة عدن واحدة من أكثر القضايا الخدمية إلحاحاً وتعقيداً خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت من مشكلة موسمية مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة إلى أزمة مزمنة تمس حياة الملايين وتنعكس آثارها على مختلف القطاعات الاقتصادية والصحية والتعليمية والخدمية.


ورغم المشاريع التي نُفذت خلال الأعوام الماضية، لا تزال المدينة تشهد انقطاعات طويلة ومتكررة للتيار الكهربائي، خصوصاً خلال فصل الصيف الذي يتزامن مع ارتفاع كبير في استهلاك الطاقة بسبب الاعتماد الواسع على أجهزة التكييف والتبريد.


وتشير بيانات وتصريحات رسمية صادرة عن وزارة الكهرباء والطاقة والمؤسسة العامة للكهرباء خلال السنوات الأخيرة إلى أن احتياج مدينة عدن في ذروة الصيف يتجاوز 500 ميجاوات، فيما تقدر بعض الدراسات الفنية الطلب بما يقترب من 600 ميجاوات نتيجة التوسع العمراني والنمو السكاني المتسارع الذي شهدته المدينة خلال السنوات الأخيرة.


في المقابل، تراوحت القدرة التوليدية المتاحة فعلياً خلال فترات مختلفة بين نحو 120 و300 ميجاوات بحسب توفر الوقود وحالة المحطات العاملة، وهو ما يخلق فجوة كهربائية كبيرة تصل أحياناً إلى أكثر من نصف الاحتياج الفعلي للمدينة.


وتعتمد عدن في إنتاج الكهرباء على عدد من المحطات الرئيسية، أبرزها محطة الرئيس التابعة لشركة بترومسيلة والتي تعمل بالنفط الخام، ومحطة الحسوة العاملة بالمازوت، ومحطة المنصورة ومحطة حجيف وعدد من الوحدات التوليدية الأخرى، إضافة إلى محطة الطاقة الشمسية الجديدة بقدرة 120 ميجاوات التي دخلت الخدمة مؤخراً وأسهمت في تخفيف جزء من الأحمال خلال ساعات النهار.


وعند البحث في الأسباب الحقيقية للأزمة يتضح أن نقص الوقود يأتي في مقدمة العوامل التي تؤدي إلى انطفاءات الكهرباء، حيث أظهرت عشرات البيانات الرسمية الصادرة عن المؤسسة العامة للكهرباء خلال السنوات الماضية أن العديد من المحطات خرجت عن الخدمة بسبب نفاد الديزل أو المازوت أو تأخر إمدادات النفط الخام. كما أن تعثر تدفق النفط الخام إلى بعض المحطات الرئيسية أدى في أكثر من مناسبة إلى خفض الإنتاج الكهربائي بشكل كبير.


ولا تقف المشكلة عند حدود الوقود فقط، بل تمتد إلى تهالك جزء مهم من البنية التحتية لمنظومة الكهرباء. فبعض محطات التوليد في عدن تعمل منذ عقود طويلة وتحتاج إلى عمليات إحلال وتجديد شاملة، في حين تؤدي الأعطال الفنية المتكررة إلى انخفاض القدرة الإنتاجية وارتفاع استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل والصيانة.


كما تعاني شبكات النقل والتوزيع من اختناقات فنية وفاقد مرتفع للطاقة الكهربائية، وهو ما يعني أن جزءاً من الكهرباء المنتجة لا يصل فعلياً إلى المستهلكين بسبب تقادم الشبكات والربط العشوائي والتعديات المختلفة على المنظومة الكهربائية.


وخلال السنوات الماضية اعتمدت الحكومات المتعاقبة على حلول إسعافية ومؤقتة لتخفيف الأزمة، تمثلت في شراء الوقود بصورة عاجلة أو إدخال بعض الوحدات التوليدية المؤقتة أو تنفيذ أعمال صيانة للمحطات القائمة. ورغم أن هذه الإجراءات ساهمت أحياناً في تحسين ساعات التشغيل، إلا أنها لم تنجح في معالجة جذور المشكلة، لأن الطلب على الكهرباء يستمر في الارتفاع بوتيرة أسرع من نمو القدرة الإنتاجية.


ومن بين الحلول المؤقتة التي يمكن أن تخفف معاناة المواطنين على المدى القريب ضمان توفير الوقود بصورة منتظمة للمحطات العاملة، واستكمال أعمال الصيانة للمحطات المتعثرة، وتسريع تشغيل المشاريع الجديدة، والحد من الفاقد في شبكات النقل والتوزيع، إلى جانب مكافحة الربط العشوائي وتحسين كفاءة إدارة المنظومة الكهربائية.


أما الحلول الجذرية التي يمكن أن تنهي الأزمة بشكل دائم فتتمثل في إنشاء محطات توليد حديثة تعمل بالغاز الطبيعي، باعتباره أقل تكلفة وأكثر كفاءة واستدامة من الديزل والمازوت. وتمتلك اليمن موارد غازية تجعل هذا الخيار منطقياً واقتصادياً على المدى الطويل، خصوصاً إذا اقترن بتطوير شبكات النقل والتوزيع وإنشاء محطات تحويل حديثة قادرة على استيعاب القدرات التوليدية الجديدة.


كما أن الاستثمار في الطاقة الشمسية يمثل أحد أهم الخيارات الاستراتيجية لعدن، نظراً لما تتمتع به المدينة من معدلات سطوع شمسي مرتفعة على مدار العام. وقد أثبت مشروع الطاقة الشمسية الجديد بقدرة 120 ميجاوات جدوى هذا التوجه، إلا أن الاعتماد الكامل على الطاقة الشمسية يتطلب إنشاء منظومات تخزين ضخمة عبر البطاريات لضمان استمرار التزويد بالكهرباء خلال ساعات الليل.


ولإعطاء صورة أوضح عن حجم الاستثمارات المطلوبة لإنهاء أزمة الكهرباء في عدن، تشير التقديرات المستندة إلى تكاليف المشاريع المماثلة في المنطقة إلى أن إنشاء محطة غازية حديثة بقدرة 400 ميجاوات مع خطوط نقل ومحطات تحويل حديثة قد يتطلب استثمارات تتراوح بين 450 و650 مليون دولار، مع قدرة على توفير الكهرباء بصورة مستقرة على مدار الساعة.


وفي المقابل، فإن إنشاء مشروع طاقة شمسية بقدرة 300 ميجاوات مزود بمنظومات بطاريات تخزين كبيرة لتغطية جزء كبير من الأحمال الليلية قد تتراوح تكلفته بين 500 و700 مليون دولار بحسب سعة التخزين والتقنيات المستخدمة.


وتبدو هذه التقديرات منطقية عند مقارنتها بمحطة الطاقة الشمسية الإماراتية في عدن، التي بلغت قدرتها 120 ميجاوات وجرى تنفيذها بتكلفة تقارب 100 مليون دولار وفق التصريحات الرسمية المعلنة، ما يعكس أن الوصول إلى قدرات إنتاجية أكبر وأكثر استقراراً يتطلب استثمارات بمئات الملايين من الدولارات، لكنه يظل أقل كلفة من استمرار استنزاف الدولة في المعالجات المؤقتة وأزمات الوقود المتكررة.


وبالمقارنة مع ما تنفقه الدولة سنوياً على شراء الوقود والمعالجات الإسعافية، فإن الاستثمار في مشروع استراتيجي دائم قد يكون أقل كلفة على المدى المتوسط وأكثر جدوى للاقتصاد الوطني.


ومن هنا يتضح أن أزمة كهرباء عدن ليست أزمة مستعصية الحل، بل هي أزمة تحتاج إلى قرار استراتيجي واضح ينتقل من إدارة الأزمات اليومية إلى بناء منظومة كهربائية حديثة ومستدامة. فالمبالغ التي تُنفق سنوياً على شراء الوقود والمعالجات الطارئة يمكن أن تشكل خلال سنوات قليلة أساساً لمشاريع إنتاج كبرى قادرة على توفير أكثر من 500 ميجاوات بشكل مستقر، وإنهاء واحدة من أكثر الأزمات التي أثقلت حياة المواطنين وأعاقت التنمية في العاصمة المؤقتة عدن.