آخر تحديث :الأحد-07 يونيو 2026-05:48م

طلاب الثانوية بين مطرقة الامتحانات وسندان "جهنم" الخدمية

الأحد - 07 يونيو 2026 - الساعة 01:38 م
حسين سالم السليماني


في الوقت الذي تشرق فيه شمس الصيف لاهبة حارقة، لتعلن النفير العام وبدء ماراثون امتحانات الثانوية العامة، يخوض آلاف الطلاب في المناطق المحررة معركة مصيرية ضروساً، لا تشبه معارك أقرانهم في أي صقع من أصقاع المعمورة. إنها ليست مجرد منازلة علمية لقياس الحصاد المعرفي، بل هي اختبار وحشي للجسد والروح، وتحدٍ صارخ للبقاء والمقاومة تحت وطأة درجات حرارة قياسية، ورطوبة خانقة تكتم الأنفاس، وفي ظل غياب تام وشامل لأدنى مقومات الحياة الآدمية الكريمة.


بينما يرقب العالم التعليم كحقٍ أصيل تكفله الدول برعايتها وتوفير البيئة الملائمة لنموه، يعيش طالب الثانوية في واقعنا مأساة تفيض بالمرارة؛ إذ ينحدر جل هؤلاء الفرسان من أسر كادحة، يعتصرها الفقر، حتى إن بعضها لا يملك في زوايا منازله المعتمة "قنديلاً" ضئيلاً يبدد السواد الذي يختلي فيه الطالب بمستقبله ومصيره.

هناك، في تلك الغرف الضيقة، يتصبب العرق من جباههم الطاهرة كحبات اللؤلؤ ليبلل صفحات الكتب الجافة، ويصارعون الاختناق والحر اللافح من أجل اقتناص سطر واحد يستذكرونه. يدرسون في بيئة قاحلة جفّ فيها حتى الماء البارد الذي يطفئ لظى ظمأهم، بينما تقف أسرهم عاجزة بمرتبات زهيدة باتت "لا تسمن ولا تغني من جوع" أمام غول الغلاء الفاحش والانهيار الاقتصادي المتسارع.


تتبدى المفارقة الصارخة والمهزلة المبكية في سلوك سلطة غاشمة، تطالب هؤلاء الأبطال بمعدلات امتياز صاعقة، ودرجات تنافسية تؤهلهم لارتياد كبريات الجامعات، وكأنهم رضعوا لبان العلم في حواضر بريطانيا، أو تقلبوا في أعطاف الرفاهية بفرنسا والنمسا وسويسرا، أو كأنهم حظوا ببيئة تكنولوجية مستقرة تضاهي كوكب اليابان المذهل! إنها حالة صارخة من الانفصام السياسي والعمى الإداري؛ حيث تُطلب المعجزات والعبقريات ممن حُرموا من بديهيات العيش، وتُفرض معايير الرفاهية الغربية على أجساد غضة أنهكها الهجير، وأضناها السهر القسري في غياهب الظلمات.


قد يتبجح بعض المسؤولين بصلف قائلين: *ها هم يحلون الأسئلة بيسر وعزيمة، وها هم يحصدون أعلى درجات التميز!*.. لكنهم يتغافلون عمداً عن الحقيقة العارية كالشمس: إن هذه الدرجات العالية لم تكن يوماً ثمرة بيئة صالحة غرستها الدولة، بل هي خطوط دفاع انتحارية رسمها الطلاب بدموع مآقيهم، وعصارة كبريائهم، وصبرهم الأسطوري.

يا سادة القيادة، إنكم تبيعون هذا الجيل اليوم في سوق النخاسة لظلام الجهل وقهر الظلم والحياة البائسة، وتدفعون بهم إلى غيابات مستقبِل مجهول، في الوقت الذي تجنون فيه أنتم المغانم والامتيازات، وتعتلون العروش تحت لافتة "النضال" المزيف. وهنا تسقط الأقنعة وتنكشف العورات؛ فقد عرفنا المناضلين الأوائل وهم في ثرى الطهر، خرجوا من الدنيا ولم يملكوا قصوراً منيفة ولا شركات عملاقة، بل تركوا وراءهم إرثاً من المجد وحباً محفوراً في سويداء قلوب الشعب. أما نضالكم اليوم، فبات يُقاس طردياً بحجم المآسي والآلام التي يتجرعها المواطن المغلوب على أمره.


إن مأساة الكهرباء في المناطق المحررة قد تجاوزت حدود الأزمات العابرة، لتغدو "جريمة عقاب جماعي" مكتملة الأركان وممنهجة. فالأهالي هناك لا يكتوون بلهيب الطقس وقسوة المناخ فحسب، بل يواجهون عدماً شاملاً يضرب كل مفاصل الخدمات، من قطرة الماء الباردة المعززة، وصولاً إلى انهيار العملة وتآكل الأجور.

لقد استحالت البيوت الواهنة إلى أفران بشرية تصهر الأجساد، وتحولت قاعات الامتحانات إلى ساحات تعذيب نفسي وجسدي لا تُطاق، ورغم كل هذا التنكيل، يصر هذا الجيل العظيم على أن يرفع رأسه شامخاً من تحت الركام، ممتشقاً سلاح القلم.


إن تفوق طلابنا الأشاوس في هذه الظروف الحانقة ليس صك براءة لكم، ولا مدعاة لفخركم أيها المسؤولون، بل هو صرخة إدانة مدوية لفسادكم وفشلكم، وهو تمرد مقدس من هؤلاء الشباب على واقعكم المظلم.

لكم الله يا أبناء شعبي الصابر الصامد، ولكم الله يا طلابنا الأبطال؛ فأنتم وحدكم من ينبش الفجر من أحشاء العتمة، وأنتم النضال الحقيقي الباقي في زمن زُيفت فيه كل المفاهيم والقيم.