آخر تحديث :الأربعاء-08 يوليو 2026-10:06م

من تحت الركام إلى منصة المجد.. منتخب اليمن يكتب ملحمة الأمل ويُبكي القلوب قبل العيون

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 02:14 م
موسى المليكي


في زمنٍ ظن فيه الكثيرون أن الحروب قادرة على قتل الأحلام، وأن أصوات المدافع أعلى من هتافات الملاعب، خرج أبناء اليمن ليكتبوا صفحة جديدة من صفحات الكبرياء الوطني. لم يحملوا السلاح، ولم يرفعوا شعارات الحرب، بل حملوا راية الوطن فوق أكتافهم، ورفعوا اسم اليمن في سماء المجد بانتصارٍ مستحق وتأهلٍ تاريخي أعاد الفرح إلى ملايين القلوب.

في وقت توقفت فيه الملاعب داخل الوطن، لعبوا هم بقلوبهم قبل أقدامهم.

في وقت انطفأت فيه الأضواء عن مدن اليمن وقراه، أشعلوا هم نور الأمل بكرة القدم.

في وقت مزقت فيه الحرب تفاصيل الحياة اليومية، اجتمع اليمنيون جميعًا خلف منتخبهم، ونسوا للحظات كل الوجع والخلافات والانقسامات، ليهتفوا باسم وطن واحد وعلم واحد وحلم واحد.

لم يكن انتصارًا عاديًا.

ولم تكن نتيجة 2-0 مجرد رقم على لوحة المباراة.

كانت رسالة كاملة المعنى، عميقة الدلالة، وصلت إلى كل مكان.

هدف في الدقيقة 62، ثم هدف آخر في الدقيقة 90، ليعلن أبناء اليمن أن الإرادة لا تُهزم، وأن الشعوب العظيمة تستطيع أن تصنع الفرح حتى وهي محاصرة بالألم.

كم من منتخب يملك الملاعب الحديثة والجماهير الضخمة والدعم المالي الهائل والإعلام الكبير، لكنه يعجز عن صناعة التاريخ؟

وكم من منتخب، مثل منتخب اليمن، حُرم من اللعب على أرضه، وحُرم من جماهيره، وعانى لاعبوه الغربة والتنقل والظروف الصعبة، ثم خرج للعالم مرفوع الرأس ليقول: نحن هنا.

هذا الإنجاز لم يولد في ظروف طبيعية.

ولد من رحم المعاناة.

ولد من ليالٍ طويلة من التعب والصبر.

ولد من وطن أنهكته الحرب، لكنه لم يفقد روحه.

ولد من شباب آمنوا أن تمثيل اليمن شرف لا يساويه شيء.

لقد شاهد العالم دموع المدرب الجزائري بعد صافرة النهاية، تلك الدموع التي لم تكن مجرد دموع فرح بفوز رياضي، بل كانت دموع إنسان أحب هذا البلد وأحب شعبه وآمن بقدرات لاعبيه.

دموع المدرب كانت رسالة صامتة لكنها أكثر بلاغة من آلاف الكلمات.

رسالة تقول إن اليمن يستحق الحياة.

ويستحق الفرح.

ويستحق أن يرى أبناءه في مقدمة المشهد بدلًا من أن يكون حاضرًا فقط في نشرات الأخبار المرتبطة بالحرب والأزمات.

والمؤلم حقًا أن هذا الرجل الذي لا يحمل الجنسية اليمنية، والذي جاء من خارج الحدود، بدا في تلك اللحظة وكأنه يحمل اليمن في قلبه أكثر من كثيرين ممن جعلوا الوطن ساحة للصراعات والمصالح الضيقة.

هنا يجب أن يتوقف الجميع للحظة تأمل.

إلى أولئك الذين أشعلوا نار الحرب وأطالوا معاناة الشعب.

إلى أولئك الذين حاصروا أحلام اليمنيين.

إلى كل فاسد نهب ثروات البلاد وأكل حقوق الموظفين والمواطنين.

إلى كل من قدم مصالحه الشخصية على مصلحة الوطن.

ألا تستحون؟

ألا تخجلون؟

بينما كان اللاعبون يقاتلون من أجل رسم ابتسامة على وجوه الملايين، كنتم أنتم سببًا في استمرار الدموع والمعاناة.

بينما كان المنتخب يوحد اليمنيين تحت علم واحد، ما زال البعض يعمل على تمزيق ما تبقى من الوطن.

اليوم أثبت المنتخب ما فشل فيه كثير من السياسيين.

أثبت أن اليمنيين قادرون على الاجتماع عندما يجدون من يمثلهم بصدق.

أثبت أن علم الجمهورية سيظل حاضرًا في قلوب أبنائه.

أثبت أن اليمن أكبر من المشاريع الصغيرة، وأكبر من الانقسامات، وأكبر من كل من يحاول اختطاف مستقبله.

هذا التأهل ليس للاعبين وحدهم.

إنه للأم التي انتظرت الفرح سنوات طويلة.

للطفل الذي رسم علم اليمن في دفتره المدرسي.

للمغترب الذي بكى فرحًا وهو يشاهد اسم بلده يعود إلى الواجهة بصورة مشرقة.

للجندي المرابط في موقعه.

للمعلم الذي لم يتسلم راتبه.

للطبيب الذي يعمل في أصعب الظروف.

للموظف الذي ينتظر حقه.

ولكل يمني ما زال يؤمن أن هذا الوطن يستحق مستقبلًا أفضل.

اليوم لم ينتصر أحد عشر لاعبًا فقط.

بل انتصر شعب كامل.

انتصرت الإرادة على اليأس.

وانتصر الأمل على الإحباط.

وانتصر الحب على الكراهية.

وانتصر اليمن على كل الظروف التي حاولت كسر روحه.

سيأتي يوم تعود فيه الملاعب اليمنية لتستقبل الجماهير.

وسيأتي يوم تمتلئ فيه المدرجات بالأعلام والأهازيج.

وسيأتي يوم يلعب فيه المنتخب بين أهله وعلى أرضه.

لكن حتى يحين ذلك اليوم، سيظل هذا الجيل من اللاعبين محفورًا في ذاكرة اليمنيين، لأنه منحهم شيئًا كانوا بأمس الحاجة إليه: الأمل.

لقد خرجوا من وسط الركام ليصنعوا الفرح.

ومن قلب المعاناة ليزرعوا الابتسامة.

ومن بين الدموع ليكتبوا قصة انتصار ستبقى حاضرة في الذاكرة الوطنية لسنوات طويلة.

مبروك لليمن.

مبروك لكل قلب نبض بحب هذا الوطن.

مبروك لكل من بكى فرحًا بهذا الإنجاز.

ومهما اشتدت العواصف، ومهما طال ليل المعاناة، فإن اليمن سيبقى قادرًا على النهوض من جديد.

فهذا وطن لا يموت.

وهذا شعب لا ينكسر.

ومن تحت الركام نصعد.

ومن وسط الألم نصنع الفرح.

واليمن قادم... بقوة أبنائه، وإرادتهم، وإيمانهم بأن المستقبل أجمل مما يظنه اليائسون.