آخر تحديث :الثلاثاء-06 أكتوبر 2026-02:31ص

الجنوب بين تقديس الرموز وأزمة المشروع السياسي

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 01:58 م
كمال صلاح الديني


في المجتمعات التي تعيش أزمات ممتدة يتراجع دور المواطن بوصفه فاعلاً في صناعة التغيير ويتنامى البحث عن "المنقذ" أو "الزعيم" أو "القائد" الذي تُعلَّق عليه الآمال وتُربط به مصائر الشعوب والقضايا الوطنية ، ولهذا ليس مستغرباً أن ينشغل البعض بالجدل حول التوصيف القانوني والدستوري للرئيس الراحل عبدربه منصور هادي، أو بالحديث عن السلاطين والمشايخ والرموز التاريخية، أو بالرهان المطلق على "شخصيات سياسية معاصرة قد طويت صفحتها وخرجت من دائرة الفعل السياسي" بينما تتراجع الأسئلة الأكثر أهمية المتعلقة ببناء المؤسسات وإنتاج الأفكار وصناعة المستقبل....


هذه الذهنية تعكس أزمة وعي أكثر مما تعكس أزمة قيادة فالمجتمعات المأزومة غالباً ما تبحث عن الأشخاص بدلاً من المشاريع وعن الرموز بدلاً من المؤسسات وعن القائد الذي يحقق المعجزات بدلاً من المواطن الذي يشارك في صناعة التغيير ، وعندما يتحول الزعيم إلى محور القضية تصبح القضية نفسها رهينة لنجاحاته وإخفاقاته....


لقد كشفت التجربة السياسية الجنوبية خلال السنوات الماضية جانباً من هذه الإشكالية، حيث جرى في كثير من الأحيان اختزال مشروع سياسي واسع ومعقد في أشخاص أو قيادات بعينها ومع تصاعد هذا النمط من التفكير تراجعت مساحة النقد والمراجعة وأصبح الاختلاف يُفسَّر أحياناً باعتباره استهدافاً للأشخاص لا نقاشاً للأفكار والسياسات....


كما برزت انتقادات تتعلق بتغليب دوائر النفوذ والمقربين والولاءات الضيقة على حساب الكفاءات والشراكة الوطنية الواسعة الأمر الذي أضعف القدرة على بناء نموذج مؤسسي قادر على استيعاب التنوع الجنوبي وتحويله إلى مصدر قوة وفي الوقت ذاته، استمرت الصراعات البينية والاستقطابات المناطقية والشخصية في استنزاف الجهد السياسي بينما بقيت القضية الجنوبية محكومة بتوازنات إقليمية وحسابات تتجاوز حدود القرار المحلي....


وهنا تبرز إحدى أكثر الاستراتيجيات السياسية فاعلية في إدارة الصراعات فبعض الخصوم لا يعملون بالضرورة على إسقاط خصمهم بشكل مباشر بل يتركونه يواجه أخطاءه وتناقضاته وتراكم أزماته الداخلية حتى يصل بنفسه إلى حالة من الضعف والتراجع وعندما تغيب المراجعة الذاتية وتُستبعد الكفاءات وتُقدَّم الولاءات على الكفاءة، يصبح المشروع السياسي أكثر عرضة للاستنزاف مهما كانت شعبيته أو حجم التأييد الذي يحظى به....


إن الجنوب لا يعاني من نقص في العقول والخبرات، بقدر ما يعاني من استمرار عقلية التعويل على الأشخاص واختزال المشاريع الوطنية في الزعامات وهي عقلية تجعل مصير القضايا الكبرى مرتبطاً بالأفراد أكثر من ارتباطه بالمؤسسات والقواعد المنظمة للعمل السياسي....


فالتاريخ يثبت أن استدامة القضايا الوطنية لا تتحقق بقوة الرموز بل بقدرة المجتمعات على بناء مؤسساتها وتجديد أدواتها ومراجعة أخطائها ومن هنا فإن الانتقال من الرهان على الأشخاص إلى الاستثمار في الوعي وبناء المؤسسات يظل المدخل الأكثر أمناً لصون أي مشروع سياسي الأمر الذي يجعل بناء الوعي النقدي شرطاً أساسياً لحماية أي قضية وطنية من الوقوع في أسر الشخصنة وتقديس الأفراد.....