ترددت في الآونة الأخيرة، وملأت ردهات السلطات المحلية، وأروقة المنظمات الدولية، ومنابر القمم السياسية، عبارة باتت ممجوجة ومكررة: "إننا نشعر بالقلق". لكن، في ظل غياب الخدمات الأساسية، وجفاف شريان الحياة في البلدان المكلومة، ومع استعار المجازر المستمرة والحروب الطاحنة التي تلتهم الأخضر واليابس، أصبح القلق اليومَ يدعو إلى القلق! ليس تصاعداً للأحداث وعجزاً في الخدمات فحسب، بل من تلك الطريقة "المائعة" والباردة التي تُدار بها الأزمات من قِبل السلطات الحاكمة، والقوى الكبرى التي عُهد إليها زُوراً حفظ السلم والأمن الدوليين.
لقد تحولت كلمة "القلق" في القاموس السياسي والدبلوماسي المعاصر من جرس إنذار يُوقظ الضمائر، إلى أداة ميكافيلية للتنصل من المسؤولية. فحين تُصدر المؤسسات الحكومية والدولية بيانات تُعرب فيها عن "قلقها العميق"، بينما تُنتهك السيادة وتُباد الشعوب، فهي في الواقع لا تفعل شيئاً سوى منح صكوك الوقت للفساد، وإعطاء مهلة مجانية للجلاد ليُتمم مجزرته. إن هذا القلق "المؤسساتي" البارد بات يشكل مصدر رعب للشعوب المنكوبة؛ لأنه ببساطة يعني: "نحن نرقب احتضاركم، لكننا لن نحرّك ساكناً". وهنا يكمن السقوط الأخلاقي المروع في خطاب الزعماء؛ إذ بدلاً من السعي الحثيث لحلحلة المعضلات، يلوذون بمحاولات زائفة لغسل أيديهم من اتخاذ مواقف حازمة، متوسلين بطريقتين: خلط الأوراق، وتمييع الحقائق. إنهم يساوون في الخطاب بين طرف مدجج بالترسانة والقرار، وطرف أعزل لا يملك سوى جسده وصموده. بل إنهم يذهبون أبعد من ذلك، فيقلبون الآية ليصبح استخدام الجلاد للقوة "دفاعاً مشروعاً عن النفس"، وتصبح صرخة الضحية لأجل كرامتها ذريعة تُساق لقمع الأصوات الحرة! في حين يُطالب المظلومون- في أوج قهرهم- بأقصى درجات "ضبط النفس والهدوء". إن الحلول التي تُبنى على المساواة بين الضحية وجلادها ليست حلولاً، بل هي إذلال ممنهج، واستسلام للأمر الواقع، وشرعنة للجريمة والفساد بختم مؤسسي رسمي.
فوا عجباً! أهؤلاء القابعون على منصات الحكم، والزعماء المتربعون في مجالس الأمن.. صُنّاع سلام أم مهندسو صمت؟!
للأسف الشديد، يطل علينا هؤلاء الطغاة بخطابات منمقة، محشوة بعبارات التهدئة، لكنها خاوية تماماً من أي آليات للمحاسبة. وهذا السلوك العقيم هو ما تجرعته بلدان كثيرة، ومنها وطني الغالي، حيث تتبخر المحاسبة قبل أن تصل إلى من جرحوا كبرياء الشعب وخدشوا جمال الوطن؛ مما يؤدي في نهاية المطاف إلى إطالة أمد الأزمات وتغييب العدالة. وعندما يرفض "الكبار" تسمية الأشياء بمسمياتها الفصيحة، فيحجمون عن تسمية المحتل محتلاً، والانقلابي انقلابياً، والفاسد فاسداً، والمجرم مجرماً، فإنهم يشاركون- بصمتهم وتواطئهم- في هدم منظومة القيم الإنسانية التي طالما تشدقوا بها.
إن ما تحتاجه الإنسانية اليوم ليس "قلقاً" زائداً يُضاف إلى رصيد التصريحات الصحفية الميتة، بل نحتاج إلى إرادة سياسية صلبة تكسر حاجز الصمت، وتتحلل من قيود المحاباة والمصالح الضيقة.
فإذا استمرت هذه المهزلة، وتمادت القوى في سياسة "الأبواب المواربة" والمساواة بين القاتل والقتيل، فإن الشعوب لن تتجه نحو ضفاف الحياة المستقرة، بل ستقاد قسراً نحو غابة دولية موحشة لا يحكمها قانون ولا يردعها ضمير... وساعتها، لن يملك "القلق" أدنى قدرة على ترميم ما انكسر في قلوب الشعوب، ولات حين مندم.