آخر تحديث :السبت-06 يونيو 2026-04:12م

امتحانات آخر العام... عندما يتحول التعليم إلى سلعة، والطالب إلى آلة نسخ!!

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 12:54 م
د. سعيد سالم الحرباجي


مع إشراقة صباح الأحد الموافق 7 يونيو 2026م، ستتجه آلاف الوجوه اليمنية الصغيرة إلى قاعات الامتحانات، تحمل حقائبها المثقلة بالكتب، وقلوبها المثقلة بالخوف، وعقولها المثقلة بما حُقن فيها من معلومات لم تجد يومًا فرصةً لتتحول إلى معرفة.

ولعل المفكر عبد الوهاب المسيري كان يرى هذا المشهد من بعيد حين قال قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن " إن التعليم تحوّل إلى سلعة، والطالب إلى متلقٍ "

لكنه ربما لم يكن يتخيل أن يصل الأمر في بعض البلدان إلى أن يصبح الطالب مجرد "قرص تخزين متنقل"، تُحمَّل عليه المقررات طوال العام، ثم يُطلب منه في يوم واحد أن يفرغها على أوراق الإجابة، قبل أن يُعاد تهيئة ذاكرته لاستقبال دفعة جديدة من الحفظ والنسيان.


في بلادٍ تُفاخر بأنها تمتلك آلاف المدارس، لكنها لا تسأل كم مدرسةً تصنع مفكرًا، وكم مدرسةً تخرّج باحثًا، وكم مدرسةً تُعلّم طفلًا كيف يسأل قبل أن تُعلمه كيف يجيب، يصبح الامتحان احتفالًا رسميًا بالحفظ، لا بالعلم، وبالاستظهار، لا بالفهم.


لقد تحولت المدرسة عندنا إلى مصنعٍ لإنتاج الشهادات، لا لإنتاج الإنسان، وأصبحت المناهج تُقاس بعدد صفحاتها لا بعمق رسالتها، وأصبح الطالب الناجح هو الأكثر قدرةً على استدعاء النصوص، لا الأكثر قدرةً على تحليلها أو نقدها.


ويا للمفارقة، فإننا نطالب هؤلاء الطلاب بعد سنوات بأن يكونوا قادةً ومبدعين ومبتكرين، بينما قضينا طفولتهم كلها نلقنهم أن التفكير مخاطرة، وأن السؤال خروجٌ عن النص، وأن النجاح الحقيقي هو أن تكرر ما قاله الكتاب دون زيادة أو نقصان.


إن التعليم الذي يخشى السؤال، ويعاقب الاجتهاد، ويكافئ الحفظ الأعمى، لا يصنع إلا موظفين ينتظرون التعليمات، لا مواطنين يصنعون المستقبل.


وغدًا، سيدخل آلاف الطلاب قاعات الامتحان، بينما الامتحان الحقيقي ليس لهم وحدهم، بل لمن وضع المناهج، وأدار المؤسسات، ورسم السياسات التعليمية، ثم ترك المدرسة اليمنية تواجه الفقر والحرب والإهمال، قبل أن يطالبها بإنتاج نهضةٍ علمية.


أما الطالب المسكين، فهو يؤدي دوره كل عام، ويحمل حقيبته كما يحمل الجندي بندقيته، ويدخل معركة الأسئلة وهو يعلم أن ما سيُقاس ليس ذكاءه، بل قوة ذاكرته، وأن ورقة الامتحان لا تبحث عن عقله، بل عن قدرته على استرجاع ما حُفظ بالأمس ونُسي بعد الغد.


ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق صُنّاع القرار التربوي في اليمن:

هل نريد جيلاً يحمل شهاداتٍ معلقة على الجدران، أم عقولًا قادرةً على بناء الأوطان؟


إنٌَ الأمم لا تنهض بكثرة الناجحين في الامتحانات، وإنما تنهض بكثرة الناجحين في التفكير، والإبداع، وصناعة الحلول.

أما استمرار تحويل التعليم إلى سوقٍ للشهادات، والطالب إلى آلة للحفظ، فلن يصنع إلا مزيدًا من الطوابير الطويلة أمام أبواب البطالة، ومزيدًا من الأزمات التي تبدأ من الفصل الدراسي، وتنتهي عند أبواب الدولة.


إن أزمة التعليم في اليمن ليست استثناءً من المشهد العربي والإسلامي، بل هي صورة أكثر قسوة لمرضٍ أصاب الجسد كله.

فحين تتحول المدرسة إلى قاعة للحفظ، والجامعة إلى مصنع للشهادات، والطالب إلى مستهلك للمعلومة لا شريكًا في إنتاجها، فإننا لا نخسر عامًا دراسيًا فحسب، بل نخسر جيلاً كاملًا كان يمكن أن يحمل مشاعل النهضة.


وليس أخطر على الأمم من أن تستثمر في الجدران أكثر مما تستثمر في العقول، وأن تنفق على الامتحانات أكثر مما تنفق على صناعة التفكير.

ذلك أنٌَ الأوطان لا يحرسها المتفوقون في الحفظ، وإنما يبنيها المتفوقون في الإبداع، ولا ينهض بها من يكرر الإجابات القديمة، بل من يجرؤ على طرح الأسئلة الجديدة.


ومن هنا : فإن الرسالة إلى صُنّاع القرار التربوي ليست أن يغيروا كتابًا أو يعدلوا لائحة، بل أن يعيدوا تعريف معنى التعليم نفسه: هل هو مشروع لبناء الإنسان، أم مجرد خط إنتاج للشهادات؟


أما صانع القرار السياسي، فعليه أن يدرك أن الأمن الحقيقي يبدأ من الفصل الدراسي، وأن التنمية تبدأ من عقل الطفل، وأن كل مدرسة تُهمل اليوم قد تتحول غدًا إلى أزمة وطنية يصعب احتواؤها.


ويبقى المجتمع بكل مكوناته شريكًا في هذه المسؤولية؛ فالأسرة، والمثقف، والإعلام، والمؤسسات المدنية، جميعهم معنيون بالدفاع عن رسالة التعليم، لأنه السور الأخير الذي يحمي هوية الأمة ومستقبلها.


إن الأمم لا تُهزم يوم تخسر معركةً على الحدود، وإنما تُهزم يوم تفقد قدرتها على صناعة الإنسان.


فإذا أردنا أن نستعيد المستقبل، فعلينا أن نبدأ من المدرسة، قبل أن نبحث عنه في ميادين السياسة والاقتصاد.