في خضم مشهد يمني شديد التعقيد، تتعدد فيه مراكز القوة وتتشابك فيه خطوط الحرب والسياسة والاقتصاد، برز تصريح القيادي في جماعة الحوثي وعضو المجلس السياسي الأعلى سلطان السامعي الذي رصدته صحيفة "عدن الغد" داعيًا إلى مصالحة وطنية شاملة تتأسس على نظام برلماني، وتقسيم البلاد إلى أربعة أقاليم بصلاحيات واسعة، مع جيش وطني موحد، وشراكة في السلطة والثروة. هذا التصريح، رغم إيجازه، لا يمكن قراءته كخطاب سياسي عابر، بل كمقترح بنيوي يتناول شكل الدولة اليمنية المقبلة، لا مجرد آلية لوقف الحرب.
السامعي ليس ناشطًا سياسيًا خارج منظومة القرار، ولا هو معارض تقليدي، بل شخصية تنتمي إلى تجربة برلمانية سابقة ثم انتقلت إلى موقع داخل بنية الحوثيين، مع سجل من المواقف التي توصف أحيانًا بأنها أكثر براغماتية من الخط السياسي الصلب للجماعة. هذه الخلفية تمنحه موقعًا متوسطا بين منطق الدولة التقليدية ومنطق سلطة الأمر الواقع، وبالتالي فإن أي طرح يصدر عنه يُقرأ غالبًا باعتباره اختبارًا سياسيًا للأفكار داخل بيئة الحوثيين وخارجها أكثر من كونه رأيًا شخصيًا معزولًا.
يمكن تفكيك مبادرته إلى خمسة أعمدة رئيسية تبدأ بالمصالحة الوطنية الشاملة كمدخل لوقف منطق الحرب وتأسيس مرحلة انتقالية متفق عليها، ثم النظام البرلماني الذي ينقل مركز الثقل من الفرد أو الجماعة إلى مؤسسة تمثيلية تقلل من احتمالات احتكار السلطة، يليه تصور الأقاليم الأربعة كصيغة لا مركزية واسعة الصلاحيات تهدف إلى إدارة التنوع الجغرافي والسياسي والاقتصادي دون تفكيك الدولة. ثم يأتي مبدأ الجيش الموحد بوصفه إعادة تعريف للقوة العسكرية كأداة دولة واحدة لا كجيوش متعددة الولاءات، وأخيرًا مبدأ تقاسم السلطة والثروة باعتباره محاولة لمعالجة جوهر الصراع اليمني الذي يدور حول الموارد بقدر ما يدور حول السياسة.
هذا الطرح يأتي في سياق مرحلة تتسم بإرهاق طويل في الحرب، وتآكل اقتصادي واسع، وتداخل أدوار إقليمية ودولية، وصعوبة تحقيق حسم عسكري لأي طرف، إلى جانب تنامي الحديث عن تسويات تدريجية تعيد إنتاج الدولة بدل محاولة إسقاط الخصوم بالكامل. في هذا السياق تصبح أي فكرة تتحدث عن إعادة هندسة الدولة بدل إعادة فرض السيطرة أكثر قابلية للنقاش، حتى وإن بقيت محاطة بالتحفظات.
وعند مقارنتها بالبدائل الممكنة، يتضح أن النموذج المركزي الصارم يواجه صعوبة في التوافق بسبب تعدد مراكز القوة، بينما يحمل خيار الانفصال أو التقسيم الثنائي مخاطر نزاعات حدودية وصراع مستمر على الموارد وعدم استقرار طويل الأمد. في المقابل، يقدم نموذج الأقاليم الأربعة محاولة للجمع بين هذين الاتجاهين عبر خلق توازن بين الوحدة واللامركزية، رغم ما يحمله من تعقيد إداري وحاجة إلى ضمانات قوية تمنع الانزلاق نحو التفكك أو إعادة إنتاج المركزية بشكل غير مباشر.
اختيار النظام البرلماني في هذا السياق ليس تفصيلًا شكليًا، بل يعكس محاولة لنقل الصراع من منطق السيطرة العسكرية إلى منطق التحالفات السياسية والتمثيل، بما يسمح بتقليل مخاطر احتكار القرار من طرف واحد، وإعادة توزيع السلطة عبر مؤسسات ائتلافية تعكس التوازنات الإقليمية والسياسية. لكنه في الوقت نفسه لا يكفي وحده لضبط الصراع، ما لم يُدعَم ببنية دستورية وقضائية وأمنية متماسكة.
أما ملف الجيش الموحد فيبقى الأكثر حساسية، لأنه يمس جوهر القوة على الأرض. فبدون إعادة هيكلة حقيقية للقوات المسلحة ودمجها ضمن مؤسسة واحدة، ستظل أي تسوية سياسية عرضة للاهتزاز. ولذلك فإن هذا البند يمثل الشرط الأهم لتحويل الاتفاق السياسي إلى واقع مستقر.
وفي قلب هذا التصور تأتي مسألة توزيع الثروة بوصفها جوهر الصراع غير المعلن، حيث تتداخل قضايا النفط والغاز والموانئ والموارد المحلية مع البنية السياسية للدولة. وأي تسوية لا تعالج هذا البعد الاقتصادي ستبقى عرضة للانهيار مهما كان شكلها الدستوري متقدمًا.
من زاوية التقييم، لا تبدو مبادرة السامعي اتفاقًا جاهزًا بقدر ما تبدو أقرب إلى خارطة مبادئ لدولة ما بعد الحرب، تحاول الجمع بين المركزية واللامركزية، وبين السياسة والأمن والاقتصاد في إطار واحد. قوتها الأساسية أنها تعالج جذور الصراع لا أعراضه، لكن ضعفها يكمن في حاجتها إلى درجة عالية من الثقة بين أطراف تاريخها قائم على الصراع، وإلى ضمانات تنفيذ صارمة تمنع الانقلاب على أي تسوية مستقبلية.
ولذلك فإن نجاح أي صيغة قريبة من هذا النموذج لا يتوقف على صياغة الدستور أو شكل الأقاليم أو طبيعة النظام البرلماني فقط، بل على وجود منظومة ضمانات متكاملة تشمل الداخل اليمني والإقليم والمجتمع الدولي، بما يضمن أن الاتفاق لا يتحول إلى محطة مؤقتة لإعادة تموضع القوى.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كان اليمن يتجه نحو تسوية تعيد تعريف الدولة على أسس جديدة من الشراكة والتوازن، أم نحو تسوية تُجمّد الصراع دون أن تحسمه فعليًا. وفي كل الأحوال، فإن مبادرة السامعي، بصيغتها الموجزة، تبدو أقرب إلى محاولة لالتقاط اللحظة السياسية وإعادة صياغة مستقبل الدولة اليمنية من خلال تصور شامل يتجاوز حدود الخطاب التقليدي إلى رسم ملامح ممكنة لليمن القادم.