آخر تحديث :السبت-06 يونيو 2026-04:12م

لماذا نهرب من الفكرة إلى صاحبها؟

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 11:23 ص
د. سمير أحمد بوست


بقلم: د. سمير أحمد بوست


من الظواهر المؤسفة التي أصبحت تتكرر كثيراً في بعض منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً في بعض مجموعات الواتس آب والفيسبوك، بل وأحياناً في التعليقات المصاحبة لمنشورات بعض المواقع والصحف الإلكترونية، أن يتحول النقاش من مناقشة الفكرة إلى محاكمة صاحب الفكرة.


تُطرح قضية عامة أو موضوع يهم الناس، أو رؤية تستحق التأمل والنقاش، فتتفاجأ بأن بعض التعليقات لا تناقش المحتوى، ولا تقدم رأياً مؤيداً أو معارضاً، ولا تضيف معلومة أو حلاً، بل تنصرف مباشرة إلى الشخصنة والقدح والتشكيك في النوايا وإطلاق الأحكام المسبقة.


وكأن قيمة الفكرة أصبحت مرتبطة بمن طرحها، لا بما تحمله من مضمون أو بما يمكن أن تضيفه من فائدة للحوار العام.


والأخطر من ذلك أن البعض يكون قد اتخذ موقفه مسبقاً من الكاتب أو المتحدث أو صاحب المنشور، بسبب انطباع قديم، أو خلاف سابق، أو اصطفاف سياسي أو اجتماعي، أو حتى رواية سمعها من طرف آخر. فيقرأ الاسم قبل أن يقرأ الفكرة، ويحاكم الشخص قبل أن يفهم الموضوع، ويصدر الحكم قبل أن يطّلع على الحجج والمعطيات.


وفي كثير من الأحيان، تضيع القضية الأساسية وسط سيل من الاتهامات والتصنيفات والانفعالات، فيتحول النقاش من البحث عن الحقيقة أو المصلحة العامة إلى مجرد جدل شخصي لا يضيف شيئاً للوعي ولا للحلول.


في البيئات الواعية والمتقدمة تُناقش الأفكار بالحجة، وتُقابل الآراء بالرأي، وتُرد المعلومة بالمعلومة، ويظل احترام الإنسان قائماً حتى مع الاختلاف معه. أما حين تتحول المنصات إلى ساحات لتصفية الحسابات أو التنفيس عن المشاعر السلبية أو ممارسة الإقصاء المعنوي، فإن الخاسر الحقيقي ليس صاحب المنشور وحده، بل ثقافة الحوار نفسها، والمجتمع بأكمله.


ليس مطلوباً أن نتفق مع كل ما يُطرح، فالاختلاف حق طبيعي وصحي، بل هو أحد أسباب التطور الفكري والمعرفي. لكن من حق أي فكرة أيضاً أن تُناقش بموضوعية، ومن حق أي صاحب رأي أن يُحترم حتى لو اختلفنا معه، ما دام ملتزماً بأدب الحوار وحدوده.


فالعقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المنشغلة بالأشخاص غالباً ما تُضيّع الفكرة وتُفقد الحوار قيمته ومعناه.


ولعلنا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نسأل أنفسنا قبل أن نكتب أي تعليق أو نصدر أي حكم:


هل أنا أناقش الموضوع فعلاً؟


أم أناقش الشخص الذي طرحه؟

فبين السؤالين فرق كبير...

وبه يبدأ الفرق بين ثقافة الحوار وثقافة الخصومة، وبين مجتمع يبحث عن الحلول ومجتمع يستهلك طاقته في الخلافات.