عدنان زين خواجه
أثار التصريح الأخير لمحافظ حضرموت وعضو مجلس القيادة الرئاسي، والذي اعتبر فيه ملف الكهرباء "عبئاً ثقيلاً" على الدولة، موجة عارمة من التساؤلات المشروعة واستياءً واسعاً في الشارع الجنوبي. وهو تصريح يأتي ليعيد إنتاج ذات الخطاب الرسمي الذي "أكل وشرب عليه الدهر"، متناسيًا سياقًا تاريخيًا واقتصاديًا يمتد لأكثر من ثلاثة عقود (1990 - 2026)، شهدت فيه المحافظات الجنوبية نهباً ممنهجاً لإيراداتها وثرواتها السيادية.
إن الحديث عن "عبء الكهرباء" يتجاهل حقيقةً ساطعة كالشمس: المواطن في الجنوب، وتحديداً في حضرموت وعدن، كان تاريخياً الأكثر التزاماً بسداد فواتير الاستهلاك، إلى جانب المحلات التجارية والمصانع. فأين ذهبت تلك المليارات الموردة على مدى 25 عاماً قبل الحرب؟ الإجابة واضحة؛ لقد كانت كفيلة ببناء محطات توليد حديثة وشبكات نقل متطورة، لولا أنها تحولت إلى وقود لبناء القصور والفلل والاستثمارات الخارجية لرموز سلطة 7 يوليو من نافذين عسكريين وقبليين وقيادات في وزارة الكهرباء.
المؤامرة الكبرى: محطات غازية للشمال.. وطاقة مشتراة ومتهالكة للجنوب!
تتجلى الأبعاد السياسية لملف الكهرباء عند مقارنة المشاريع الاستراتيجية؛ فحين تم تشييد محطة غازية عملاقة في مأرب بقدرة 800 ميجاوات وعلى مرحلتين، حُرمت حضرموت وعدن وبقية المحافظات الجنوبية من أي مشروع مماثل. واقتصرت "إنجازات" 36 عاماً من عمر "وحدة الضم والإلحاق" في عدن مثلاً على محطة المنصورة، التي رُسيت مناقصتها بـ 60 ميجاوات ولم يُنفذ منها سوى 30 ميجاوات!
لقد استُخدم ملف الكهرباء كأداة سياسية لتركيع شعب الجنوب وإخضاعه عبر بوابة الخدمات. ومن هنا ولدت فرية "الطاقة المشتراة" (المؤجرة)، حيث أُغرق الجنوب بمولدات متهالكة ومُعاد تدويرها بعد أن استُهلكت في دول أخرى، لتملكها شركات تتبع نافذين في السلطة، لتتحول المحافظات الجنوبية الغنية بالثروات إلى مجرد "ملحق" لدولة ينخرها الفساد، يُراد منها خيراتها وتُترك بلا تنمية.
فوارق الأسعار المفتعلة.. أين تذهب الملايين؟
لا أحد ينكر أن الطاقة المشتراة تكلف الدولة ملايين الدولارات، ولكن السؤال الأهم: ((من يصنع هذه التكلفة الجنونية؟))
إن ما كشفه رئيس الوزراء أحمد بن مبارك يضع النقاط على الحروف؛ حيث أكد أن سعر طن الديزل في الأسواق العالمية يتراوح بين 600 إلى 700 دولار، بينما يُسجل في سجلات الدولة بـ 1200 دولار!
هذا الفارق الصادم (نحو 500 دولار في الطن الواحد) يكشف بوضوح أن هناك "لوبي فساد" متجذر ينهب من وراء هذا الملف أكثر مما يصل للمواطن من خدمة الكهرباء في اليوم والشهر والسنة. وهو لوبي لم يتغير منذ عهد "عفاش" وحرب 1994 الظالمة، بل ازداد شراسة وتفنناً في نهب موارد الدولة.
يا محافظ حضرموت.. أوقفوا العبث ببلاد النفط والذهب
حين يتحدث محافظ محافظة النفط عن تكاليف تشغيل المولدات، عليه ألا ينسى -أو يتناسى- إيرادات حضرموت السيادية من النفط والغاز والذهب، "وما خفي كان أعظم". هل يعلم المحافظ كم الإنتاج الحقيقي للنفط في محافظته؟ وكم يُنهب منه عبر نافذين يمتلكون حقولاً وشركات وشراكات مشبوهة؟
إنه لأمر يدمي القلب أن تشهد محافظة يُنهب نفطها وتُسرق خيراتها ظلاماً دامساً وبؤساً خدماتياً، في وقت يقف فيه قادتها ومنظروها ليشرعنوا هذا الفساد بدلاً من مواجهته.
كفى مزايدة على شعب يتسول راتبه :
المطلوب اليوم من المحافظ، ومن كل مسؤول يدّعي تمثيل هذا الشعب، هو اتخاذ مواقف رجال الدولة الحقيقيين. يجب إيقاف العبث بخيرات حضرموت والجنوب عامة، كائناً من كان الطرف الناهب.
إن الحل لا يكمن في الشكوى وتبرير العجز، بل في فرض واقع جديد لخدمة المواطنين من خلال بناء (محطات غازية في كل مديرية )، وهي كفيلة بإنارة حضرموت وجوارها من فائض ثرواتها. لا تزايدوا على شعب سُرقت ثرواته، وحُرم من أبسط مقومات الحياة، وأصبح يتسول راتبه شهراً بشهر، بينما تفتك الأزمات والخدمات المنهارة بما تبقى له من كرامة وصبر.