آخر تحديث :السبت-06 يونيو 2026-09:25ص

إعادة هندسة قطاع الطاقة في محافظة عدن: من الحلول الإسعافية إلى تحقيق الاستدامة

السبت - 06 يونيو 2026 - الساعة 02:58 ص
د. عيسى ابو حليقه


المقدمة

تعد أزمة الكهرباء في محافظة عدن من أعقد الملفات التنموية والخدمية، إلا أن موقع عدن الجغرافي وشريطها الساحلي يمنحها ميزة تنافسية هائلة للتحول نحو "مزيج طاقة مستدام" يدمج بين طاقة الرياح والطاقة الشمسية.

تفوق أزمة الكهرباء في محافظة عدن مجرد كونها نقصاً في توليد الطاقة؛ فهي أزمة مركبة ومتراكمة ناتجة عن تداخل عوامل سياسية، واقتصادية، وفنية، ومؤسسية تعاقبت على مدى عقود وتفاقمت بشكل حاد في السنوات الأخيرة.

الاسباب الرئيسية للانقطاع المتواصل والمستمر للكهرباء في محافظة عدن

فيما يلي تفصيل لأبرز أسباب أزمة انقطاع الكهرباء المستمر في عدن:

1. أسباب فنية وتشغيلية (بنية تحتية متهالكة)

• العجز الكبير في قدرة التوليد: تعاني عدن من فجوة هائلة بين التوليد الفعلي وحجم الطلب (الاستهلاك). في ذروة الصيف، يتجاوز الطلب في عدن 700 ميجاوات، بينما لا يتعدى حجم التوليد الفعلي المتاح من المحطات الحكومية والمستأجرة حاجز 250 إلى 300 ميجاوات في أفضل الأحوال، مما يخلق عجزاً يتجاوز 60%.

• تهالك محطات التوليد وانتهاء عمرها الافتراضي: معظم المحطات الرئيسية في عدن (مثل محطة الحسوة الحرارية ومحطة المنصورة) قديمة جداً وتعمل بإنتاجية ضئيلة مقارنة بقدرتها التصميمية الأساسية، وتفتقر إلى الصيانة العمرية الجسيمة.

• الفاقد الفني والشبكات المتهالكة: تصل نسبة الفاقد من الطاقة الكهربائية أثناء النقل والتوزيع في عدن إلى مستويات قياسية (تتراوح بين 40% إلى 50%). هذا الهدر ناتج عن قدم خطوط النقل، وتهالك المحولات، والربط العشوائي (المزدوج) غير القانوني من قبل المواطنين والتجمعات التجارية.

2. أسباب اقتصادية ومالية (أزمة الوقود والتمويل)

• الاعتماد على الوقود عالي التكلفة (الديزل والمازوت): تعتمد أغلب محطات توليد الطاقة الحالية في عدن على وقود الديزل والمازوت المستورد، وهي مادة مكلفة للغاية وتستنزف ميزانية الدولة بشكل هائل، بدلاً من الاعتماد على مصادر أقل كلفة مثل الغاز الطبيعي أو الطاقة المتجددة.

• أزمة توريد الوقود وعدم انتظامها: ترتبط ساعات الانقطاع الطويلة مباشرة بمدى توفر الوقود في خزانات مصافي عدن. تعاني الحكومة من شح الموارد المالية والعملة الصعبة لشراء الشحنات بانتظام، مما يؤدي إلى نفاد الوقود المتكرر وتوقف المحطات (خروجها عن الخدمة) حتى وصول منحة أو شحنة إسعافية جديدة.

• انهيار المنظومة المالية للمؤسسة العامة للكهرباء: تعاني المؤسسة من عجز مالي خانق بسبب:

o ضعف كفاءة تحصيل الإيرادات (قيمة الفواتير) من المستهلكين (القطاع المنزلي والتجاري وحتى الحكومي).

o التعرفة المدعومة التي تباع بها الكهرباء للمواطنين، والتي لا تغطي سوى نسبة ضئيلة جداً من التكلفة الفعلية لإنتاج الكيلوواط الواحد.

3. أسباب جغرافية ومناخية

• الارتفاع الحاد في درجات الحرارة والرطوبة: طبيعة مناخ عدن الساحلي الصيفي شديد الحرارة والرطوبة ترفع من الطلب على الطاقة بشكل طردي نتيجة الاعتماد الكلي على أجهزة التكييف والتبريد.

• تراجع كفاءة المولدات بفعل الطقس: ترتفع حرارة المولدات الكهربائية نفسها بفعل العوامل الجوية المحيطة والضغط المستمر، مما يضطر الفرق الفنية إلى إخراج بعض المولدات عن الخدمة مؤقتاً لتبريدها ومنع احتراقها.

4. أسباب سياسية ومؤسسية (ضعف الحوكمة)

• تعدد مراكز القرار والاضطراب السياسي: انعكس الصراع السياسي وعدم الاستقرار المؤسسي في المحافظات المحررة سلباً على إدارة قطاع الخدمة العامة، مما أعاق تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى طويلة المدى وأدى إلى الاكتفاء بالحلول الترقيعية المؤقتة.

• الاعتماد المفرط على "الطاقة المستأجرة": لسنوات طويلة، تم الاعتماد على شراء الطاقة من شركات تجارية خاصة (الطاقة المستأجرة) كحل إسعافي. هذا التوجه استنزف ملايين الدولارات شهرياً كان يمكن استثمارها في بناء محطات حكومية استراتيجية ومستدامة.

• تأخر تشغيل المشاريع الاستراتيجية بالطاقة الكاملة: على الرغم من إدخال بعض المشاريع مثل "محطة الرئيس بترومسيلة" (التي تعمل بالنفط الخام/الغاز)، إلا أن عدم استكمال شبكات التصريف والخطوط الناقلة (جهد 132 كاف) يمنع الاستفادة من كامل طاقتها التوليدية المصممة لتخفيف حدة الأزمة.

التوصيات الاستراتيجية لحل ازمة الكهرباء وتحقيق التعافي

فيما يلي رؤية استراتيجية متكاملة لتقديم حلول مستدامة لأزمة الطاقة في عدن، مستندة إلى استغلال الموارد الطبيعية والموقع الاستراتيجي للمحافظة:

أولاً: الاستفادة من السواحل والموقع الاستراتيجي (طاقة الرياح)

تمتلك عدن شريطاً ساحلياً ممتداً على بحر العرب وخليج عدن، وتتميز بممرات هوائية ذات سرعات رياح ثابتة وعالية في مناطق محددة (مثل رأس عمران والمناطق الساحلية المفتوحة)، مما يجعلها بيئة مثالية لطاقة الرياح الساحلية (Onshore Wind).

• تأسيس مزارع رياح ساحلية (Wind Farms): استغلال الأراضي المفتوحة غير المأهولة بالقرب من السواحل (مثل امتداد سواحل البريقة ورأس عمران) لإنشاء محطات توليد طاقة الرياح برؤوس أموال استثمارية (عبر نظام الـ BOT - البناء والتشغيل ونقل الملكية).

• استغلال الممرات البحرية وحركة الأمواج والرياح المشتركة: يمكن دراسة إمكانية دمج طاقة الرياح الساحلية مع التوربينات القريبة من الشواطئ التي تستفيد من ظاهرة نسيم البر والبحر الفعالة جداً في عدن طوال العام.

• تخفيف الضغط الجغرافي: الميزة الجغرافية لعدن تتيح ربط هذه المزارع مباشرة بشبكة النقل الرئيسية (الضغط العالي) دون الحاجة لخطوط نقل طويلة ومكلفة.

ثانياً: استغلال الطاقة الشمسية والحرارية الفائقة

تتمتع عدن بمعدل إشعاع شمسي عمودي مرتفع جداً وعدد ساعات شروق تتجاوز 3000 ساعة سنوياً. ولكن، هناك تحدٍ تقني معروف وهو أن ارتفاع درجات الحرارة الشديد قد يقلل من كفاءة الألواح الشمسية التقليدية (السيليكونية) إذا لم يتم التعامل معه بذكاء.

وهنا تكمن الحلول الاستراتيجية للاستفادة من حرارة وشمس عدن:

• اعتماد تقنيات الألواح المقاومة للحرارة العالية: استخدام ألواح من نوع (HJT - Heterojunction) أو (TOPCon) التي تمتلك "معامل حراري منخفض" (Low Temperature Coefficient)، مما يعني أنها تحافظ على كفاءة توليد عالية حتى في درجات الحرارة التي تتجاوز 40 درجة مئوية.

• استغلال الأسطح والمساحات العامة الكبرى: إطلاق مشروع وطني لتغطية أسطح المنشآت الحكومية، المدارس، المستشفيات، والمناطق الصناعية بمنظومات طاقة شمسية مستقلة لتخفيف الحمل عن الشبكة العامة (Distributed Generation).

• محطات الطاقة الشمسية العائمة (Floating Solar): يمكن استغلال بعض المسطحات المائية الهادئة أو أحواض الملح (المملاح) لتركيب ألواح شمسية عائمة. هذه التقنية تضرب عصفورين بحجر: المياه تعمل على تبريد الألواح طبيعياً (مما يرفع كفاءتها في طقس عدن الحار)، وفي نفس الوقت تقلل الألواح من تبخر المياه.

• تقنيات التخزين الذكي (BESS): الطاقة الشمسية تحتاج إلى منظومات تخزين طاقة بطاريات ضخمة لتغطية العجز خلال ساعات الليل، وهو وقت ذروة الاستهلاك في عدن الصيفية.

ثالثاً: محاور المعالجة الهيكلية والاستراتيجية الشاملة

لا يمكن للمصادر المتجددة أن تعمل بكفاءة دون إصلاح البنية التحتية القائمة، ولذلك يجب أن تسير الحلول في مسارات متوازية:

المحور الاستراتيجي الإجراءات التنفيذية

تحديث شبكة النقل والتوزيع معالجة الفاقد الفني الكبير في شبكة عدن (الذي يتجاوز 40% أحياناً) من خلال تجديد خطوط النقل ومحطات التحويل لتقبل تدفقات الطاقة المتجددة غير المنتظمة.

التحول نحو الشبكات الذكية (Smart Grids) إدخال أنظمة التحكم الذكي والعدادات مسبقة الدفع لإدارة الأحمال ومعرفة وتوزيع الطاقة بكفاءة بين المديرات.

تشجيع الاستثمار والتمويل الدولي صياغة إطار قانوني وجاذب يتيح للقطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية (بدعم من منظمات مثل الـ UNDP والبنك الدولي والمانحين الإقليميين) الاستثمار في توليد الطاقة المستقلة وبيعها للمؤسسة العامة للكهرباء.

حلول المدى القصير (الهجينة) تحويل المحطات الحالية التي تعمل بالديزل والمازوت (المكلفة للغاية) للعمل بالغاز الطبيعي المسال (LNG) كمرشح انتقالي أقل تكلفة وأكثر حماية للبيئة، ودمجها مع حقول طاقة شمسية في محطات هجينة.

الخلاصه

أزمة كهرباء عدن هي حلقة مفرغة: لا يوجد تمويل كافٍ لشراء الوقود لمحطات متهالكة، والشبكة نفسها تسرب نصف الطاقة المنتجة، في ظل غياب تحصيل حقيقي للإيرادات وازدياد مستمر في الطلب السكاني.

الحل المستدام لعدن ليس في الاعتماد على مصدر واحد، بل في بناء "منظومة طاقة هجينة متكاملة"؛ طاقة شمسية نهاراً تدعمها طاقة الرياح الساحلية (والتي غالباً ما تنشط في الفترات المسائية والليلية بفعل الفوارق الحرارية بين البر والبحر)، مدعومة بمحطات غازية أساسية وبطاريات تخزين عملاقة. هذا التحول سيضمن خفض تكلفة إنتاج الكيلوواط إلى أقل من النصف، ويحقق استدامة بيئية واقتصادية تليق بمكانة عدن الاستراتيجية.


اعداد د. عيسى ابو حليقه – خبير اقتصادي