آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-01:46م

الذاكرة الانتقائیة لا تصنع سلاما...ً بل تطیل أمد الصراع

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 11:35 ص
عبدالناصر صالح ثابت


م. عبدالناصر صالح ثابت

في أشد لحظات الصراع تعقیدا،ً تتجلى التناقضات وتبرز ازدواجیة المعاییر كلما ارتفع صوت المطالبة بإنصاف القضیة

الجنوبیة. فعند كل حدیث عن الحل، یلجأ المعارضون إلى توظیف الذاكرة بصورة انتقائیة؛ فیستحضرون أحداثاً ویغیبون

فرص الوصول إلى تسویة عادلة ومستدامة. أخرى بما یخدم مصالحھم ومواقفھم السیاسیة. ومن ھنا تنشأ إحدى أبرز الإشكالیات التي أسھمت في إطالة أمد الصراع وتعقید

یستحضرون من تاریخ الجنوب أحداثاً تعود إلى ما قبل عام 1967 وبعض المراحل اللاحقة لھ، وكأن الزمن توقف عند تلك

المحطات، بینما یتجاھلون محطات مفصلیة أكثر تأثیرا،ً من قیام الوحدة في 22 مایو 1990 بین دولتین معترف بھما دولیاً

إلى نتائج حرب السابع من یولیو 1994 وما ترتب علیھا من تحولات لا تزال آثارھا حاضرة حتى الیوم. وھكذا لا یُقرأ

مختلفة للواقع والقضیة. التاریخ بوصفھ مساراً متكاملاً للأحداث، بل تُنتقى منھ الوقائع التي تخدم مواقف معینة، وتُستبعد الحقائق التي قد تفرض قراءة

وتتجلى ھذه الانتقائیة أیضاً في طریقة التعاطي مع القوى الاجتماعیة والسیاسیة الجنوبیة. فبینما یجري الاعتراف بالسلاطین

والمشایخ والأعیان والتكوینات التقلیدیة بوصفھا ممثلة للجنوبیین، یتم في المقابل تجاھل الحراك الجنوبي الذي نشأ كتعبیر

سیاسي واجتماعي واسع عن تطلعات الجنوبیین، قبل أن تتوحد مكوناتھ الرئیسیة تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي. وھنا

السیاسیة لبعض الأطراف. یبرز التناقض بوضوح؛ إذ تُقبل بعض أشكال التمثیل الاجتماعي، بینما تُرفض أخرى لمجرد أنھا لا تتوافق مع الرؤیة

إن أخطر ما في ھذا النھج أنھ لا یكتفي بإعادة إنتاج الخلافات، بل یسھم في إطالة أمد الصراع ذاتھ. فحین یُستدعى الماضي

بصورة مجتزأة، ویُتعامل مع الوقائع بمنطق الانتقاء، یصبح من الصعب الوصول إلى فھم مشترك للتاریخ أو بناء أرضیة

واقعیة للحلول. فالمجتمعات لا تحقق الاستقرار عبر استحضار نصف الحقیقة وتجاھل نصفھا الآخر، ولا یمكن بناء مستقبل

متوازن على قراءة انتقائیة للأحداث.

إن القضیة الجنوبیة تظل جوھر الصراع القائم، وأي محاولة لمعالجتھا عبر استدعاء مخاوف الماضي بدلاً من مواجھة

إنصاف القضیة لا تخدم سوى تعقید المشھد وتأجیل المعالجة. استحقاقات الحاضر لن تقود إلى حلول حقیقیة أو استقرار دائم. فإعادة تدویر الأزمات التاریخیة كلما اقترب الحدیث عن

فھل آن الأوان للتوقف عن الانتقائیة في قراءة التاریخ والانتقال إلى معالجة جوھر القضیة الجنوبیة؟ إن استمرار استدعاء

الأزمات القدیمة لم یعد یقنع أحدا،ً بل یكشف عجزاً عن التعامل مع الواقع كما ھو. لقد تعلم الجنوبیون من تجاربھم ما یكفي،

وھم الأقدر على تقریر مستقبلھم وصیاغة خیاراتھم السیاسیة بعیداً عن الوصایة والتخویف بالماضي. فالمستقبل لا یُبنى على

مخاوف الأمس، بل على حقائق الیوم وإرادة الشعوب، لأن الذاكرة الانتقائیة لا تصنع سلاما،ً بل تطیل أمد الصراع.