ماجود حسن السحيري
من البديهي جداً، إن الأوطان لا تموت من طعنة عدوٍ غريب .. فذاك دائماً ما يكون واضحاً، وسيفه مكشوف، وحقده معلن .. قد يجرح الجسد الكبير، قد يهدم حجراً من سور منيع، لكنه لا يصل إلى الروح، ولن يسطيع فتح أبواب اختراق الحصون.
فالأوطان ،تنحط، وتذبل، وتشيخ وتتأخر وتموت قبل أوانها، حين يأكل أبناؤها بعضهم بعضاً. حين يتحول الأخ إلى خنجر في ظهر أخيه. حين يصير ابن البلد الواحد، والدم الواحد، والدين الواحد ، والعقيدة الموحدة، يفرح لسقوط جاره إن لم نقول ابنه، ويقتات على عثرة صاحبه ورفيق دربه، ويذهب إلى التفكير ببناء مجده على أنقاض بيت أخيه.
الأوطان لن تموت بالقنابل، بل بما يسبق ذلك من كراهية نزرعها في مدارسنا، ومنابرنا، ومجالسنا، ومواقع تواصلنا،، وملتقيلتنا وفعاليتنا وقنواتنا وووو الخ تموت الأوطان حين نصنف الناس: هذا منا... وهذا علينا، وهذا مع... وهذا ضد، وهذا ينتمي... وهذا لا ينتمي. بذات حين يصبح الانتماء للطائفة أكبر من الانتماء للتراب، وللحزب والمكون والفصيل أقدس من الدم، وللقبيلة أغلى من الضمير .. وللغريب احب من القريب ... تموت الأوطان حين يتصارع أبناؤها على كرسي مكسور هش في سفينة هي أساساً تغرق، وكل واحد يظن نجاته برمي الآخر أولاً، ولا يدري أنهم جميعاً في قاع واحد لسفينة واحدة.
فيا أبناء الوطن الواحد اعلموا إن الاعداء الغرباء ،لن يهزمون وطناً متماسكاً... بل يدركون أن الهزيمة تكون بوطن يأكل بعضه، فيكتفي ذاك أن يقف متفرجاً. لا يحتاج أن يطلق رصاصة واحدة، بل قد يرى أن أبناءه قد تكفلوا بالمهمة وبأدوات مختلفة... منها المحسوبية اليوم التي ذبحت الكفاءة، والعنصرية التي وأدت الأحلام، والفساد الذي جعل اللص شريفاً والشريف محشوراً في زاوية الاتهامات، والأحقاد التي صارت وقوداً نحرق به بيوتنا بأيدينا،. كذا الاهم بهدم التعليم والمعلم المرتكز والأساس في كل شيء.
فوطنناء الجريح اليوم لا يحتاج مزيداً مما نحن فيه... بل إن أردنا لهذا الجسد أن يقوم، فلنكف عن نهشه. ولنتوقف عن تقسيم المقابر: هذا شهيدنا... وهذا قتيلهم، وهذا من جماعتنا... وهذا من جماعتهم، وهذا من مكوننا... وهذا من صنفهم، وهذا مقرب لنا... وهذا بعيد عن قبيلتنا وتوجهنا ووو
الأوطان أساسها تحيا بالعدل. تحيا حين نؤمن أن خبز جاري أمان لخبز أولادي. حين نرى أن نجاح ابن غيري هو ضمان لمستقبل ابني. حين تصبح الكفاءات فوق المحسوبيات والعصبية والوساطات. حين يصبح الشرع والقانون أكبر من الكبير، وأصغر من الصغير.
فيا فرقاء السياسة والتوجه والتبعية، كفّوا عن أكل بعضكم... لعل الوطن يجد فرصة ليتنفس ويحيا للجميع، ولجمعكم.