آخر تحديث :الجمعة-05 يونيو 2026-08:35م

الهجرة إلى الموت

الجمعة - 05 يونيو 2026 - الساعة 09:44 ص
حلمي الضالعي


م / حلمي الضالعي


الدولة التي تملك الحد الأدنى من النجاح تكون بمثابة الأم الحنون لشعبها، إذ تهتم براحة أبنائها وسعادتهم، وإذا لم تتمكن من تحقيق ذلك فإنها تحرص على سلامتهم وتعليمهم وغذائهم، وأحياناً على كرامتهم.


لكننا نعيش في بلد غابت الدولة عن جنوبه منذ عقود، وعن شماله منذ قرون، فأصبحنا فريسة للموت أينما حللنا وأينما ارتحلنا. لذا نموت في الوطن الطارد لأبنائه بالحروب، والثارات، والأوبئة، ونقص الغذاء، ونقص الدواء، بل وبتسمم الغذاء وفساد الدواء حين يتوفران. ونموت بالحوادث المرورية سواء ركبنا الدراجات أو السيارات أو الجمال أو حتى الباصات السياحية، ونموت نتيجة انعدام الطب ونتيجة أخطائه، ونموت بالأورام والأمراض المزمنة... نموت بكل أسباب الموت.


ونتيجة لذلك صارت الهجرة من هذا البلد هدفاً لكل أبنائه بكل فئاتهم، حتى اللصوص والهوامير الذين يعيشون هنا في بروج مشيدة يهاجرون، أو على الأقل يهاجرون أبناءهم ليحموهم من الموت أو هكذا يظنون.


بل حتى كبار السياسيين والمسؤولين من وزراء وما دونهم وسفراء، وهم في مناصبهم، ينسقون علاقات مع البعثات الدبلوماسية حتى إذا علموا أنهم سيُستبدلون سرعان ما يطلبون لجوءاً سياسياً إلى أي دولة يشعرون فيها بالأمن والأمان، وعادة ما تكون دولة من دول الكفر – إذ دول الإيمان لا تقبل من المؤمنين إلا من احتاجت لخدماتهم – لكن هؤلاء المسؤولين لا يتعرضون للموت في طريق أسفارهم.


أما غالبية الشعب من المطحونين الغلابى، وخصوصاً الشباب في عمر الورود، والذين لا يهتم لأمرهم أحد إلا أهاليهم، فيضعون الهجرة حلمهم الأسمى ويسعون لتحقيقه بشتى السبل، حتى لو كان احتمال الموت لديهم أكبر بكثير من احتمال النجاة، إذ إنهم قد وصلوا إلى يقين أن البقاء على تراب الوطن أسوأ من الموت خارجه، بل إن البقاء هو الموت بذاته.


وحينما يغادرون هذه الرقعة من الأرض المسماة مجازاً وطناً، يغادر معهم الموت ليتلقفهم وكأنه لم يكن معهم، فيموتون في الصحاري عطشاً وهم يقطعون الصحراء الكبرى – التي تتيه فيها المروحيات – ليعبروا حدود بضعة دول عربية مؤمنة وصولاً إلى سواحل بلاد الكفر.


لكنهم إن نجوا من موت الصحراء، فسيصبحون طعاماً لأسماك القرش في البحار، التي تلتهمهم وهي مشفقة عليهم لكنها مجبرة على ذلك بدافع غريزة البقاء.


ويموت أولئك الصبية الذين شاخوا قبل أوانهم في مسارات أخرى على يد حرس الحدود أو خفر السواحل، أو تحت الجليد في غابات لم يعهدوها من قبل، أو تفترسهم الدببة التي لم تعد جلودها السميكة تقيها من البرد بسبب الجوع.


وقطعاً حين تفترس شاباً يمنياً في غابة، تذرف الدموع من عيونها، فهي أرحم به من البشر، لكنها تبرر لنفسها أكله بغريزة البقاء.


لكن آخر صيحات الهجرة وأسرعها فتكاً بشبابنا الذين يرون الموت – وهم يحاولون مغادرة مقبرة الأحياء هذه – أفضل من الحياة عليها، هو الذهاب للقتال في الحرب العالمية المصغرة التي يدور رحاها في شرق أوروبا بين قطبي العالم.


وحين يصل الشاب الذي ما يزال في ربيع عمره إلى ساحة الفناء تلك يحصل على وعود بأنه إذا مرت سنة – وهو يخوض معارك غريبة مع غرباء وضد غرباء على أرض غريبة – فإنه سوف يُمنح جنسية البلد التي يقاتل في صفوفها.


وهو يدرك، وشبكة الاتجار بالبشر الذين استدرجوه وقبضوا ثمنه يدركون، وقادة الجيش الذين يقاتل تحت رايتهم يدركون، أنه لو عاش شهراً أو شهرين أو ثلاثة سيكون قد حقق معجزة في زمن لم تعد المعجزات تحدث فيه.


وحين تفيض روحه بطلقة من بندقية لا يعرف لمن تتبع الأصبع التي ضغطت على زنادها، أو برصاصات طائرة مسيرة لا يعلم من أي جهة جاءت، إذ إنه في جبهات لا يستطيع الغريب فيها أن يحدد جهة الشرق من الغرب والشمال من الجنوب.


فكل الجهات بالنسبة له جهة واحدة، إذ تحتجب النجوم خجلاً من تلك الأرواح اليافعة التي تزهق في أرض لم ولن تكن أرض هجرة، بل وجهة موت لمن رأى أن الحياة في بلده أقسى من الموت في غابات أوكرانيا.


لكن الموت هناك مؤلم وأشد قتامة وقسوة من الموت في الصحاري وبأفواه الدببة وأسماك القرش، لأن الذي ينجو من الصحاري وأنياب القروش والدببة سيصل إلى وجهته ويتمكن من تحقيق حلمه، والذي لا ينجو سيكون قد ارتاح من عناء البقاء في بلده ولن يأخذ المهرب ثمنه.


عكس من يموت في غابات باخموت وأوديسا والقرم وخاركيف، إذ هناك يستلم تاجر البشر وعصابته ثمنه وهو حي، ثم يستلمون ثمنه وهو جثة ملقاة لا يأبه لها أحد.


ونحن حين نكتب هذه الحروف تنفيساً للحزن الذي يعترينا لموت شبابنا في ساحة قتال بعيدة عنا، فإننا نود لفت الأنظار إلى أن كل من يقتل هناك فإن قاتله – وفق رأي الكاتب – ليس الجيش الروسي ولا الأوكراني، وإنما الدلال وعصابته الذين أغروه بالسفر إلى حتفه وهم على يقين من أن موته سيتم في أسابيع.


فيقبضون ثمنه ويستثمرون دمه لتحقيق الرفاهية لأولادهم، ثم يعودون إلى هذه الأرض الميتة ليغروا شباباً آخرين، ويأخذوهم إلى أرض الموت في أوكرانيا.


الدلالون هم القتلة، لذا أفضحوهم وحذروا منهم، وكل من يستطيع الإبلاغ عنهم لأي جهة أو منظمة دولية فليفعل، وهذا أقل الواجب وأدنى ما يبرئ أحدنا من ذمته.