انطلاقاً من واجبنا المهني والأخلاقي، ومن مسؤوليتنا المشتركة في ترسيخ سيادة القانون وحماية الحقوق والحريات العامة، أود أن أتناول قضية بالغة الأهمية تمس جوهر العمل الأمني ومصداقية مؤسسات إنفاذ القانون، وهي مناهضة استخدام العنف أو القسوة أو الإكراه مع المتهمين والمحتجزين تحت أي ظرف أو مبرر.
أولاً: الحظر القانوني المطلق للعنف والإكراه
إن القراءة المتأنية لأحكام قانون الإجراءات الجزائية، وقانون الشرطة، وقانون الجرائم والعقوبات، تكشف بوضوح أن المشرّع قد أحاط حرية الإنسان وكرامته بسياج قانوني متين، وجرّم بصورة صريحة كل صور الاعتداء الجسدي أو النفسي أو المعنوي التي قد تُمارس بحق المتهم أو المحتجز.
فلا يجوز قانوناً استعمال الضرب أو التعذيب أو التهديد أو الترهيب أو الإهانة أو أي وسيلة من وسائل الإكراه المادي أو المعنوي، سواء أثناء جمع الاستدلالات أو القبض أو التوقيف أو التحقيق أو الاحتجاز أو حتى بعد صدور الأحكام القضائية.
كما أن أي اعتراف أو أقوال يتم الحصول عليها تحت وطأة الإكراه أو العنف تُعد مشوبة بالبطلان القانوني، وتفقد قيمتها في الإثبات، فضلاً عما قد يترتب عليها من مساءلة جزائية وتأديبية ومدنية بحق مرتكبها.
ثانياً: قرينة البراءة أساس العدالة
يجب أن يظل حاضراً في أذهاننا دائماً أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي بات صادر من جهة قضائية مختصة.
فالمتهم ليس عدواً للدولة، وليس خصماً لرجل الأمن، وإنما شخص يخضع لإجراءات قانونية كفل له القانون خلالها مجموعة من الحقوق والضمانات التي لا يجوز الانتقاص منها أو الالتفاف عليها.
إن احترام هذه الضمانات لا يمثل تهاوناً في مكافحة الجريمة، بل يمثل التطبيق الصحيح للقانون، ويعكس مستوى التحضر المؤسسي الذي وصلت إليه الأجهزة الأمنية.
ثالثاً: الكرامة الإنسانية حق لا يسقط
إن كرامة الإنسان مصونة بحكم الشرع والقانون، ولا يجوز المساس بها بسبب اتهام أو اشتباه أو حتى إدانة.
فنحن رجال أمن مكلفون بحماية المجتمع وتطبيق القانون، ولسنا جهة للانتقام أو التشفي أو إصدار العقوبات. فالعقوبة لا يقررها إلا القضاء، ولا تنفذ إلا وفقاً للإجراءات القانونية المقررة.
وكلما ارتفع مستوى الاحترام والإنسانية في تعامل رجل الأمن مع المواطنين والمتهمين، ازدادت ثقة المجتمع بالمؤسسة الأمنية وتعززت هيبتها ومكانتها واحترامها بين الناس.
رابعاً: خطورة تجاوز الصلاحيات القانونية
إن أخطر ما قد يواجه رجل الأمن هو أن يتحول من منفذ للقانون إلى مخالف له.
فالصلاحيات الممنوحة لرجل الأمن هي حدود قانونية لا يجوز تجاوزها أو التوسع فيها أو استعمالها بصورة تعسفية. وأي خروج عن هذه الحدود قد يرتب مسؤولية شخصية مباشرة على مرتكب المخالفة، سواء كانت مسؤولية جزائية أو تأديبية أو مدنية.
ويجب أن يدرك كل منتسب للأجهزة الأمنية أن الوظيفة العامة لا تمنح حصانة من المحاسبة، وأن الرتبة أو المنصب لا يعفيان من المسؤولية عند مخالفة القانون أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
خامساً: القانون يحمي من يحترمه.
الالتزام بالقانون ليس حماية للمواطن فحسب، بل هو حماية لرجل الأمن نفسه.
فكل إجراء قانوني سليم يمثل درعاً يحمي صاحبه من المساءلة، بينما يشكل أي إجراء غير مشروع عبئاً قانونياً قد يلاحق مرتكبه لسنوات طويلة.
ولهذا فإن الواجب المهني والأخلاقي يقتضي من الجميع الالتزام الدقيق بالنصوص القانونية، واحترام الإجراءات المقررة، والتحلي بالحكمة والانضباط وضبط النفس في جميع الظروف.
وفي الأخير فإن قوة الأجهزة الأمنية لا تُقاس بمدى قدرتها على ممارسة الشدة، وإنما تُقاس بمدى التزامها بالقانون، واحترامها للحقوق، وقدرتها على فرض النظام في إطار الشرعية القانونية.
فالدولة القوية هي دولة المؤسسات والقانون، ورجل الأمن الناجح هو الذي يطبق القانون بحزم وعدالة، دون ظلم أو تعسف أو تجاوز.
حفظ الله الجميع، ووفقنا وإياكم لأداء الأمانة، وترسيخ العدالة، وصيانة كرامة الإنسان، وتعزيز هيبة الدولة وسيادة القانون.