إلى أولئك الذين يرفعون شعارات الحق الإلهي في الحكم، ويقدمون أنفسهم أوصياء على إرادة الناس ومصائرهم، إلى الذين يخلطون بين المقدس والسياسي، وبين الدين والسلطة، حتى باتت معارضة مشروعهم تُصوَّر وكأنها معارضة لله سبحانه وتعالى، نقول: إن الشعوب لا تُحكم بالخرافات السياسية، ولا تُقاد بالأوهام السلالية، ولا تُسلب حريتها باسم السماء.
لقد دفع اليمنيون ثمناً باهظاً نتيجة مشاريع الاستحواذ التي ارتدت عباءة الدين وتحدثت بلغة القداسة بينما مارست على الأرض كل أشكال القهر والإقصاء. سنوات طويلة من الحرب والدمار والتهجير والفقر والانقسام كانت النتيجة المباشرة لتحويل فكرة الولاية من اجتهاد ديني محل خلاف إلى مشروع سياسي يسعى لاحتكار السلطة والثروة والقرار الوطني.
لقد شُرِّد الملايين من منازلهم، وقُتل عشرات الآلاف، ودُمِّرت المدن والقرى والبنية التحتية، وتحوّلت حياة اليمنيين إلى معاناة يومية لا تنتهي. أُغلقت أبواب الأمل أمام الشباب، وازدادت معدلات الفقر والجوع، وتراجع التعليم والصحة والخدمات الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، بينما استمرت شعارات الولاية تُرفع فوق ركام البيوت المهدمة وأنين الضحايا.
إن أخطر ما في فكرة الولاية السياسية ليس فقط ادعاؤها حقاً حصرياً في الحكم، بل ما تنتجه من ثقافة تمييز بين المواطنين. فهي تنقل المجتمع من مفهوم المواطنة المتساوية إلى مفهوم الامتياز الوراثي، ومن دولة المؤسسات إلى سلطة النسب، ومن حق الشعب في اختيار حكامه إلى فكرة الاصطفاء المسبق التي تجعل السلطة حكراً على فئة بعينها.
لقد خلق الله البشر أحراراً ومتساوين في الكرامة الإنسانية، ولم يجعل بينهم طبقات سياسية مقدسة أو سلالات تمتلك حقاً أبدياً في قيادة الآخرين. فالعدل أساس الحكم، والكفاءة معيار القيادة، وإرادة الأمة هي مصدر الشرعية في الدولة الحديثة. أما تحويل النسب إلى مصدر للسلطة فهو عودة إلى أنماط حكم تجاوزها التاريخ ورفضتها الشعوب الحرة.
ومن المؤسف أن بعض القوى السياسية حاولت توظيف مناسبة دينية محل احترام لدى ملايين المسلمين لتكريس مشروع سياسي معاصر لا علاقة له بجوهر الدين ولا بمقاصده الكبرى. فبدلاً من أن تكون المناسبات الدينية فرصة لتعزيز القيم النبيلة من عدل ورحمة وأخوة ومساواة، جرى استخدامها في التعبئة السياسية وتقديس السلطة وإضفاء الشرعية على ممارسات لا يمكن تبريرها أخلاقياً أو وطنياً.
إن الخلاف الحقيقي في اليمن اليوم ليس خلافاً بين أشخاص أو أحزاب فقط، بل هو صراع بين مشروعين متناقضين:
مشروع يؤمن بأن الشعب مصدر السلطة، وأن جميع المواطنين متساوون أمام القانون، وأن الحاكم موظف عام يخضع للمحاسبة والمساءلة.
ومشروع آخر يرى أن الحكم امتياز خاص، وأن فئة معينة تملك حقاً استثنائياً في القيادة، وأن الطاعة السياسية جزء من العقيدة، وأن الاعتراض على السلطة يمكن تصويره باعتباره خروجاً على الدين.
إنه صراع بين الدولة والجماعة، بين المواطنة والامتياز، بين الجمهورية والاستبداد، بين المستقبل الذي يصنعه أبناء الوطن جميعاً، والماضي الذي يحاول البعض إعادته بأسماء وشعارات جديدة.
لقد أثبت التاريخ اليمني أن هذا الشعب لا يقبل الوصاية مهما طال الزمن. فمنذ ثورتي سبتمبر وأكتوبر واليمنيون يقدمون التضحيات دفاعاً عن حقهم في الحرية والجمهورية والكرامة الوطنية. وكل محاولات إعادة إنتاج أنظمة الحكم القائمة على الامتيازات الوراثية انتهت إلى الفشل لأنها تصطدم بحقيقة ثابتة: أن إرادة الشعوب أقوى من أي مشروع استعلائي.
إن اليمن ليس ملكاً لفرد، ولا لعائلة، ولا لسلالة، ولا لجماعة مسلحة. اليمن وطن لجميع أبنائه، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، ولا يحق لأحد أن يحتكر تمثيله أو يتحدث باسمه أو يصادر مستقبله.
واليوم، وبعد كل ما جرى من مآسٍ وحروب وانقسامات، بات من الضروري إعادة التأكيد على حقيقة بسيطة وواضحة: الشرعية السياسية لا تُستمد من النسب، بل من إرادة الشعب. والسلطة ليست حقاً مقدساً، بل مسؤولية عامة. والحاكم لا يُختار بالوراثة، وإنما بإرادة المواطنين الحرة.
إن اليمن أكبر من أي مشروع ضيق، وأعظم من أي جماعة، وأبقى من أي سلطة عابرة.
وستظل الجمهورية فكرة حية ما دام هناك أحرار يؤمنون بحق الإنسان في اختيار مصيره، ويرفضون الخضوع لأي شكل من أشكال الاستبداد مهما كانت الشعارات التي يتخفى خلفها.
الرحمة للشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعاً عن الجمهورية والدولة، والحرية للمعتقلين والمخفيين قسراً، والكرامة لكل يمني يتطلع إلى وطن يسوده العدل والقانون والمواطنة المتساوية.
فاليمن سيبقى وطناً للأحرار، لا مزرعة للحاكم، ولا إرثاً سياسياً لفئة تدّعي امتلاك الحق الحصري في حكم الناس.
واليمن أكبر من الجميع.