حين تشرق الشمس على العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المجاورة، تسلط الضوء على مأساة حياتية يعيشها الملايين في ظل منظومة كهربائية تتأرجح يومياً بين الإطفاء والتشغيل بنسب مرعبة تصل إلى ثماني عشرة ساعة إطفاء. هذا الوضع لم يكن يوماً مجرد عجز تقني، بل هو انعكاس لفشل ذريع في إدارة الموارد وأزمة أولويات تمثل بحق "الثقب الأسود لابتلاع المال العام"؛ فموازنة دعم قطاع الكهرباء تلاشت دون أثر ملموس بسبب توجيه معظمها لصالح كارتيلات توريد الوقود وقطع الغيار. ويكشف التمحيص الاستقصائي عن رغبة متعمدة من قوى متنفذة لإبقاء قطاع الطاقة مرتهناً لعقود الاستئجار المؤقتة بدلاً من بناء أصول تملك مستدامة للدولة بكلف فلكية تلتهم الميزانية، والتدمير المتعمد لتشغيل محطة "الرئيس" الغازية الحكومية التي تعمدت الجهات النافذة عدم استكمال شبكات تصريف الطاقة الخاصة بها لتظل معطلة تأميناً لأرباح الشركات الخاصة.
ولا يمكن فهم الإصرار على تشغيل المنظومة بالاعتماد على وقود الديزل مرتفع الكلفة إلا من خلال تفكيك شبكات المصالح العميقة ومافيا استيراد الوقود التي تخلقت كأحد إفرازات اقتصاد الحرب بعد إنهاء احتكار شركة مصافي عدن الحكومية. هذا الاحتكار المربح تنقل عبر واجهات وشركات وهمية، وصولاً إلى سيطرة تشكيلات مسلحة تجارية دمجت بين تجارة الوقود والمضاربة بعائداتها في سوق النقد الأجنبي مستغلة الحماية السياسية للإفلات من الرقابة. ولم يقف هذا الفساد الهيكلي عند الهدر المالي، بل تحول إلى كارثة بيئية وفنية تجلت في فضيحة الديزل المغشوش والرديء الذي تسبب في تدمير المولدات، وتكتمل فصول الاحتيال بما كشفته التحقيقات حول "الوقود الورقي" حيث جرى تقييد كميات هائلة على الورق والسندات فقط دون أن تتلقى المحطات قطرة واحدة منها، لنهب قيمتها وتقاسمها بين لجان الصرف والشركات الموردة.
رغم الدعم الإنساني العاجل والمنح السخية المقدمة من الأشقاء في المملكة العربية السعودية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لتأمين وقود المحطات، إلا أن هذه المساعدات تظل حلولاً إسعافية لا تعالج الجذور بسبب معوقات بنيوية وفنية تحول دون إحلال الطاقة المتجددة نتيجة تدمير خطوط النقل وتحول الشبكة إلى جزر معزولة تعاني من ضعف بنيوي يحول دون استيعاب تدفق الطاقة الشمسية. ورغم هذه التعقيدات، بدأت تبرز ملامح استراتيجية جديدة مدعومة من دول اقليمية للتحول نحو الطاقة النظيفة عبر مشاريع كبرى كإدخال محطة عدن للطاقة الشمسية في بئر أحمد ومشاريع شبوة والمخا، والتي تسهم مباشرة في خفض فاتورة استيراد المشتقات النفطية الشريانية وتوفير مبالغ ضخمة للخزينة العامة، غير أنها تواجه مقاومة شديدة وعرقلة مضادة من الكارتيلات المتضررة التي تسعى لتعطيل تشغيل المحطات الحكومية لإبقاء نفوذها مستمراً.
إن الخروج من هذا الانسداد التاريخي والانتقال من عقلية الترقيع اليومي يتطلب قراراً سياسياً حازماً لتبني خارطة طريق واضحة تبدأ بالإلغاء الفوري لعقود الطاقة المشترأة والخطوط الساخنة للمنشآت التجارية لحماية الشبكة من الانهيار، بالتوازي مع رصد التمويل العاجل لاستكمال ربط محطة "الرئيس" الغازية وإدخال طاقتها المعطلة للخدمة. كما يستلزم الحل سرعة صيانة وتأهيل مصفاة عدن الاستراتيجية لتكرير النفط وتأمين الوقود محلياً بأسعار الكلفة ومواجهة المافيا التي تعرقلها، مع إلزام فروع مؤسسة الكهرباء بتوريد الإيرادات بانتظام إلى البنك المركزي وتركيب العدادات الذكية للحد من الفاقد الفني والتجاري. وتكتمل الرؤية بإعادة استثمار العوائد المالية في الصيانة الحرجة للمحولات المتهالكة، وإشراك أهل الاختصاص عبر تشكيل مجلس فني استشاري لإدارة القطاع، مع إحالة كافة ملفات الفساد المالي المثبتة في تقارير جهاز الرقابة والمحاسبة—وعلى رأسها فضيحة الديزل المغشوش ومخصصات الوقود الورقية—إلى القضاء لمحاسبة المسؤولين دون مواربة.