اذا نظرنا إلى الإدارة من منظور الفلسفة الإدارية والمؤسساتية فإننا بهذا المنظور نتجاوز الشكل الظاهري للإدارة كهيكل تنظيمي يوزع المهام ويراقب الميزانيات إلى النظر في جوهرها كبنية ذهنية، أي كنسق معرفي وسلوكي يحكم كيفية توجيه القوة الجماعية نحو غايات عامة أو خاصة.
ولكن وعندما نتأمل الجدلية القائمة بين استراتيجية التسيير وأزمة التغيير فإننا لا نناقش أدوات تقنية وإمكانيات ومباني أو الاستقرار السياسي من عدمه بقدر ما نناقش صراعا فلسفيا عميقا بين الرغبة في الاستقرار والنظام وحتمية التغيير والتحول.
ولا بد من الوقوف على أركيولوجيا العقلية الإدارية وهم الاستقرار الميكانيكي حيث تأسست الفلسفة الإدارية الكلاسيكية منذ ماكس فيبر وتيلور على مفهوم الآلة.
إذ ترى العقلية البيروقراطية التقليدية المؤسسة كجهاز ميكانيكي دقيق وفيها تكمن استراتيجية التسيير ومهمتها الحفاظ على التوازن وضبط الإجراءات وتوقع المستقبل بناء على مسارات الماضي.
وفي هذه العقلية ينظر إلى الاستراتيجية باعتبارهـا أداة سيطرة وهي النمطية السائدة في العقلية اليمنية وكثير من دول العالم العربي التي جربت فيها العلاقة الإدارية عن ممارسة أو مراقبة .
وهذه النمطية تستبعد كونها أداة تكيف إنها عقلية تنزع نحو الجمود المقدس، لأنها تفسر الكفاءة على أنها غياب الاضطراب وتفكر بعقلية الاستقرار في وقت الأزمة ولم تدرك بعد أن مهمة الإدارة تجاوز الأزمات وتحقيق الاستقرار وبقاء المؤسسة واستمرار تكيفها.
ومن جهة الفكر السياسي الإداري فإن هذا النوع من التسيير يتحول تدريجيا من أداة لتحقيق الأهداف إلى غاية في حد ذاته حيث تصبح القواعد أكثر أهمية من النتائج ويتحول المدراء إلى حراس للمعبد البيروقراطي.
إن استراتيجية التسيير في الفكر المعاصر لم تعد تعني صياغة خطط خمسية أو عشرية جامدة ولا تعني القدرة على إدارة التناقضات. لان المشكلة الفلسفية في عقلية الإدارة السائدة هو في عجزها عن التفريق بين مفهومين
التسيير الاستاتيكي الذي يتعامل مع الموارد كمعطيات ثابتة ويخشى المجهول والقيادة الاستراتيجية التي ترى في عدم اليقين فرصة لإعادة التشكيل.
وعندما تفتقر العقلية الإدارية إلى المرونة الإبستمولوجية في القدرة على إعادة النظر في المسلمات المعرفية للمؤسسة تتحول الاستراتيجية إلى معوق استراتيحي شمولي يعطل فاعلية المأسسة الادارية عقودا من الزمن . ومن ثم تصبح الخطة وثيقة تكنوقراطية منفصلة عن الواقع المعاش وبذلك تفشل المؤسسة عن قراءة التحولات السريعة في بيئتها الخارجية سواء كانت سياسية او اقتصادية أو تكنولوجية.
ولكن لماذا تفشل معظم محاولات التغيير المؤسساتي؟
واجابتي لا تكمن في نقص التمويل أو غياب المستشارين وإنما تكمن في أزمة الثقافة الإدارية وهذه الأزمة ما تزال المعوق الرئيس لليمن منذ قيام الجمهورية ولكنها ومع الأزمة تبدت وجهها الخفي المشوه الذي كان سابقا يتخذ من القانون والشرعية المؤسسية غطاء لاعاقة المجتمعات وتخلفها .
إن التغيير في الأصل هو هزة أنطولوجية وجودية للمؤسسة بدونها لا يمكن أن تنتقل المؤسسة إلى عالمها الواقعي وهذا يتطلب عقلية إدارية واعية من جهة وجريئة بمسؤولية وخطط مسبقة .
إن هذه الهزة ستهدد ثلاثة ركائز أساسية داخل أي تنظيم:
- بنية القوة والامتيازات لأن التغيير يعيد توزيع النفوذ وهو ما يواجه بمقاومة شرسة من النخب الإدارية التقليدية التي ترى في الوضع القائم مصلحتها .
- الهوية المهنية وهنا سيعاني الأفراد داخل المؤسسة من قلق وجودي عندما تتغير أدوارهم التي اعتادوا عليها لسنوات التغيير مما يفرض عليهم التخلي عن منطقة الراحة للبحث مجددا عن حقيقة مكانهم في الإدارة الجديدة وهو ما يحتم عليهم التعلم من جديد.
- الذاكرة المؤسساتية وهذه غالبا ما تصطدم الاستراتيجيات الجديدة باللاوعي الجمعي للمؤسسة وهو الإرث الثقافي الذي يهمس في آدان الموظفين لقد كنا دائما نفعلها بهذه الطريقة فلماذا نغير الآن؟.
وهنا تولد الأزمة الإدارة التي تقترح التغيير الجاف كسياسات وهياكل بينما تعيش المؤسسة دراما إنسانية مشكلة مقاومة مصلحية يتلبطها الخوف والمقاومة والتوجس.
إن تجاوز الأزمة بين التسيير والتغيير يتطلب انتقالا راديكاليا في عقلية الإدارة من النموذج النيوتوني الكلاسيكي الذي يرى المؤسسة كآلة قابلة للتنبؤ إلى النموذج البيولوجي التكيفي الذي يرى المؤسسة ككائن حي ذكي يتكيف مع المتغيرات المحلية والدولية والأهداف والمقاصد الوطنية.
وفي هذا النموذج المعرفي الجديد فإن التسيير والتغيير ليسا حالتين منفصلتين وإنما هما وجهان لعملة واحدة.
التسيير هو الشهيق الذي يثبت المؤسسة والتغيير هو الزفير الذي يجدد دماءها.
إن المفكر السياسي الإداري الفذ يدرك أن القيادة الحقيقية لا تقمع الأزمة وإنما تديرها ولا تفرض التغيير بالقوة الفوقية بقدر ما تخلق شرعية واعية للتغيير عبر إشراك القواعد وتحويل الرؤية الاستراتيجية من مشروع يخص الإدارة العليا إلى سردية مشتركة يؤمن بها الجميع.
إن عقلية الإدارة المعاصرة تقف على الحد الفاصل بين الفناء والتطور؛ فإما أن تظل أسيرة لوهم الاستقرار البيروقراطي والاضطراب والأزمة أو تسحق من جذورها بأزمة التغيير، وإما أن تتسم بالشجاعة الفلسفية لتجعل من "
التغيير المستمر استراتيجيتها الثابتة للتسيير.
إن سر البقاء المؤسساتي لا يكمن في مدى قوة الخطط وإنما في مدى مرونة العقول التي تديرها.
وعند إسقاط هذه الجدلية الفلسفية والإدارية على الحالة اليمنية سنجد أننا أمام أزمة إدارة تقليدية مركبة وأزمة نموذج .
ونعزو ذلك الى ما يمكن تسميته بالجمود الأنطولوجي الخائف حيث يتحول الخوف على المكانة والنفوذ والمنصب إلى العقيدة الحاكمة التي تعطل أي فكر استراتيجي وتجهض كل محاولات التغيير المؤسساتي.
وفي المشهد اليمني المعقد سياسيا واجتماعيا يتجاوز مفهوم المنصب أبعاده الوظيفية ليصبح أداة للبقاء والوجاهة الاجتماعية والتمكين القبلي أو الجهوي أو الأيديولوجي.
وهنا نفكك الآليات التي تعطل الاستراتيجية بفعل عقدة الخوف في السياق المؤسساتي اليمني وسيكولوجية المنصب الذي يتخذ من الوظيفة العامة اقطاعية ا
شخصية.
إن المنصب في الفكر الإداري المستقر هو مسؤولية مؤقتة محكومة بنصوص وقوانين وأهداف استراتيجية.
أما في العقلية الإدارية التي أفرزتها العقود الأخيرة في اليمن فقد جرى تسييس وتأميم الوظيفة العامة وتحول المنصب في وعي شاغله إلى ملكّية خاصة أو غنيمة .
وبسبب غياب الاستقرار السياسي والاقتصادي يتولد لدى المسؤول اليمني سواء في الهياكل الحكومية أو المؤسسات المستقلة أو حتى المنظمات رعب دائم من فقدان هذه المكانة.
هذا الرعب يدفع الإدارة إلى تبني استراتيجية البقاء الشخصي بدلا من الاستراتيجية المؤسساتية. ويصبح الهدف الأسمى للمسؤول ليس تحقيق الرؤية بقدر ما يسعى نحو الحفاظ على الكرسي لأطول فترة ممكنة.
ولكن كيف يعطل الخوف التفكير الاستراتيجي في الإدارة اليمنية؟
وهنا يكمن الجواب الذي يتطلب في الإسلام ثورة إدارية أو التوجه نحو فوضوية أكثر سوداوية تغير نمطية التفكير والرؤية وتجعل من المسؤولية تحد وأمانة وتضحية.
وهنا نشير إلى إن آلية صناعة القرار في المؤسسات اليمنية تقع تحت تأثير ثلاثة أنماط من الخوف تعطل التغيير بشكل هيكلي:
- الخوف من فقدان شبكات النفوذ والمحسوبية وذلك لأن الإدارة في اليمن تاريخيا تعتمد على الزبائنية أي إحاطة المسؤول نفسه بشبكة من الموالين ؛ أقارب و أبناء منطقة وحلفاء سياسيين لضمان حمايته والدفاع عنه .
- التعطيل الاستراتيجي لأن أي خطوة نحو التغيير أو الحوكمة أو الأتمتة والرقمنة تعني بناء منظومة شفافة وموضوعية.
وهنا يرى المسؤول في هذه الشفافية تهديدا مباشرا لأنها ستكشف البطالة المقنعة والمناصب الصورية التي وزعها كأعطيات والعجز الإداري والفشل المؤسساتي وغيرها وبالتالي يجهض التغيير خوفا من تفكك شبكة ولائه التي تحمي منصبه.
- الخوف من الكفاءات وهو صراع مأزوم بين مبدأ الجدارة مقابل الولاء حيث ينظر في البيئة اليمنية المضطربة إلى الموظف الكفء أو الشاب الخريج أو العقلية التكنوقراطية المبتكرة كمهدد محتمل ومن ثم تنشأ استراتيجية التعطيل .
إن الإدارة الخائفة تتجنب صناعة صف ثان من القيادات وتميل إلى تقريب أهل الثقة على حساب أهل الخبرة.
وهنا يستبعد المبدعون وتدفن الأفكار الاستراتيجية لأن المسؤول يخشى أن يسرق هذا المبتكر الأضواء منه أو أن يثبت للجهات العليا أن المدير الحالي قد تجاوزه الزمن.
- الخوف من المبادرة والمسؤولية وهنا تأتي اشكالية شلل القرار بسبب تداخل الصلاحيات وتعدد مراكز القوى في اليمن بين سلطات شرعية وسلطات أمر واقع ونفوذ قبلي وتدخلات خارجية وهنا يعيش المسؤول اليمني حالة من الرعب الإجرائي ويصبح اتخاذ اي قرار استراتيجي جريء مغامرة قد تطيح برأس المسؤول إذا أغضبت طرفا نافذا آخر.
وبءلك :تلجأ الإدارة إلى التسيير السلبي أو الروتيني وتدوير المعاملات اليومية فقط كما تتبعنا الحكومات المتعاقبة منذ قيام الثورة وحتى الآن وهذه الحكومات وظيفتها صرف الرواتب والبحث عن مساعدات دولية إنسانية أو استرزاقية تحت مظلة تسمى الشرعية أو الأمر الواقع .
ومن ثم الشعار التي ترفعه الإدارة من لا يعمل لا يخطئ ومن لا يخطئ يحافظ على منصبه.
- بنية المؤسسة الشبحية وتأثير الحرب.
لقد أدت سنوات الحرب والأزمات المتلاحقة في اليمن إلى تحوير أخطر في عقلية الإدارة حيث ظهر ما يمكن تسميته بالمؤسسات الشبحية أو الموازية.
وفي هذه البيئة تحول الخوف من إلى آلية دفاعية وجودية.
و أصبح الحفاظ على المكتسبات الضيقة ؛ المرتبات الخاصة الميزانيات التشغيلية للمكتب وبدلات السفر والنفوذ الرمزي أهم بكثير من تفعيل دور المؤسسة في خدمة المواطن.
وعندما تطرح القوى الدولية أو المنظمات التنموية أو المبادرات الفردية خططا للإصلاح الهيكلي أو الدمج المؤسساتي لتفعيل الكفاءة تقاوم النخب الإدارية اليمنية بشراسة مستخدمة مبررات السيادة أو خصوصية الوضع أو التوازنات السياسية.
و لكن الدافع الحقيقي خلف الكواليس هو الرعب من تقليص الامتيازات ومغادرة المشهد.
إن إشكالية اليمن هي أزمة في العقل الإداري المحاصر وإن مأساة الإدارة العامة في اليمن هي أن أزمة التغيير ليست ناشئة عن قلة الإمكانيات أو غياب الرؤى الاستراتيجية وإنما هي ناشئة عن العقل الإداري المحاصر بالخوف على المصالح الشخصية والنفوذ.
وطالما ظل شاغل المنصب في اليمن يرى في موقعه درعاً قبليا أو سياسيا أو ماليا وحزبيا وعقديا يحميه في بيئة غير مستقرة فستظل استراتيجية التسيير آلية لإطالة عمر الوضع القائمةوان تعاقبت الحكومات التي تنطلق كاشخاص إلى المنصب دون اية خطط عملية استراتيجية دائمة اشبه بتغيير احجار الشطرنج لكن بدون عقلية اللاعب .
وسيبقى الخوف على المكانة هو المقبرة التاريخية لكل محاولات التغيير وبناء الدولة.
وأن تجاوز هذا يتطلب أولاً أمانا سياسيا ومؤسساتيا ولن يكون إلا بقوة عادلة تفرض المأسسة بصرامة وأن يتم التعيين من خلال الربط بين بقاء المسؤول وإنتاجيته وليس بولائه أو بقدرته على المناورة وأن يحاسب المسؤول بعد فترة ولايته على التقصير والإهمال والتجاوزات والتعطيل والاستغلال وأن تشكل في الأزمات محكمة فنية إدارية تراقب وتجمع الأدلة وتحاسب .