آخر تحديث :الأربعاء-03 يونيو 2026-11:59م

صناعة الجوع في البلاد السعيدة

الأربعاء - 03 يونيو 2026 - الساعة 09:54 م
ياسر باحاج


طالما ارتبطت صورة بلادنا التاريخية بالخِصب والسعادة؛ فهي الأرض المعطاءة الغنية بالموارد والثروات، ومهد الحضارات الأصيلة التي لا تزال محط أنظار العالم. غير أن التحولات المعاصرة، والأطماع الإقليمية والدولية الخفية، صدمت هذه الصورة النمطية بواقع مأساوي مغاير تمامًا؛ إذ تحولت تلك البلاد الموعودة بالرخاء إلى ساحة مفتوحة لـ "صناعة الجوع".


إن الأزمة الراهنة في بلادنا ليست نتاج كارثة طبيعية، أو جفاف، أو شح في الموارد، بل هي عملية ممنهجة تديرها أطراف متعددة، بهدف تحويل الوفرة إلى ندرة، والأمن إلى خوف، والاستقلال إلى ارتهان وتبعية.


إن تجويع الشعب اليوم يُهندس بدقة داخل الغرف السياسية المظلمة ومحاور النزاع، وتحت إشراف خبراء ومختصين يسعون لتحويل لقمة عيش المواطن إلى ورقة ضغط سياسي؛ فتدمير البنية التحتية، وفرض القيود الصارمة على الأنشطة الاقتصادية، وإغلاق الموانئ والمنافذ الحيوية، وتعطيل تصدير الموارد السيادية، كلها أدوات وظفتها تلك الأطراف لخنق شريان الحياة الأساسي للمجتمع.


وقد نجح صنّاع الجوع في تدمير القدرة الشرائية للمواطنين عبر افتعال تضخم مهول في أسعار السلع والخدمات؛ فهم يدركون أن سياسة الإفقار لا تتطلب إخفاء البضائع من الأسواق، بل جعلها بعيدة عن متناول المواطن البسيط، ليتشكل مشهد سريالي مؤلم: رفوف مملوءة بالبضائع.. وبطون خاوية! ونتيجة لذلك، أصبح الانهيار الاقتصادي واقعًا مفروضًا؛ تراجعت قيمة العملة المحلية، وارتفعت الأسعار بشكل جنوني، وجُففت مصادر دخل الأسر . وفي هذا السياق، أنتجت "مصانع الجوع" قرارًا برفع قيمة الدولار الجمركي وتحريره، لخلق موجة تضخمية جديدة تلتهم ما تبقى من رمق القدرة الشرائية المنهارة .


ولأننا نعيش تفاصيل هذه المأساة بمفارقاتها الأخلاقية والسياسية الصادمة، لا يسعنا إلا أن نتساءل: كيف يتحول الأشقاء المحترمون—الذين تجمعنا بهم أواصر الدين، والجوار، والتاريخ المشترك—إلى أدوات لتعميق مأساة الجوع، والمحافظة على أسباب استمرارها، ورعاية الفساد والمفسدين في بلادنا؟


إن إنهاء هذه الكارثة الإنسانية لا يتطلب تسيير شاحنات إغاثة إضافية، بقدر ما يتطلب توفر إرادة سياسية حقيقية لإنهاء النزاع، والتنازل عن الأجندات المشبوهة، واحترام سيادة ومصالح الشعوب، وتمكين كل ذي حق من حقه، بعيدًا عن سياسات الهيمنة، والتركيع، والإقصاء.