كَانَتِ الْمَرَّةَ الْأُولَى الَّتِي زُرْتُ فِيهَا يَافِعَ، وَكَانَتْ مُخَيِّلَتِي تَحْمِلُ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ مُجَرَّدَ إِحْدَى أَجْزَاءِ الْوَطَنِ، لَكِنَّ مَا رَأَيْتُهُ لَيْسَ وَطَنًا بَلْ أَكْبَرُ مِنْ وَطَنٍ. اِصْطَدَمَتْ رُؤْيَتِي لِهَذِهِ الْأَرْضِ بِانْقِلَابٍ لَا عَهْدَ لِي بِهِ، وَكَأَنَّنِي أَمُرُّ أَمَامَ إِحْدَى الْمُعْجِزَاتِ السَّبْعِ الْأُولَى؛ مَدِينَةٌ رُسِمَتْ عَلَى جَبَلٍ تُقَبِّلُ السَّمَاءَ بِكُلِّ شُمُوخٍ، لَمْ تَتْرُكْ شَيْئًا مِنَ الْجِبَالِ إِلَّا وَرَسَمَتْ فِيهِ أَجْمَلَ الْقُصُورِ وَأَرْوَعَ الصُّوَرِ.
يَافِعُ تَطْعَنُ بِكُلِّ مَشْرُوعِيَّةٍ بِالْمُعْجِزَاتِ السَّبْعِ، وَتُسْقِطُ لَوْحَةَ دَافِنْشِي بِكُلِّ اسْتِحْقَاقٍ.
قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ إِنَّنِي كُنْتُ مُزَايِدًا بَعْضَ الشَّيْءِ فِي كِتَابَتِي عَنْ سِحْرِ مَدِينَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي السَّمَاءِ، لَكِنْ بِأُسْلُوبِي اللَّاإِرَادِيِّ وَأَنَا أَمْشِي فِي الطَّرِيقِ، لَمْ تَنْتَظِرْنِي خَوَاطِرِي حَتَّى أَصِلَ إِلَى "لَبْعُوسَ" لِحُضُورِ الْمِهْرَجَانِ. هَذِهِ الْخَوَاطِرُ أَرْغَمَتْنِي أَلَّا أَنْتَظِرَ الْوُصُولَ، وَهَا أَنَا ذَا أَكْتُبُ عَنْ مُدُنٍ مُعَلَّقَةٍ فِي السَّمَاءِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبْنَاءَ يَافِعَ لَمْ يُقِيمُوا لَهُمْ مَسَاكِنَ فَحَسْبُ، وَإِنَّمَا رَسَمُوا أَجْمَلَ الصُّوَرِ، وَيُؤَسِّسُونَ أَعْظَمَ مَنَاهِجِ الْبَشَرِ فِي الْهَنْدَسَةِ وَالنَّقْشِ عَلَى الْحَجَرِ.
وَإِنِّي نَاشِدٌ فِيهَا أَرْوَعَ مَا كَتَبْتُ حَتَّى أَصِلَ يَافِعَ؛ قُوَّةً وَإِرَادَةً وَعَزِيمَةً وَإِصْرَارًا بِقُوَّةِ الْحَجَرِ الَّتِي رَسَمُوا عَلَيْهَا بِنَايَاتِهِمْ، لِيُسَجِّلَ التَّارِيخُ أَنَّهَا الْأَرْضُ الَّتِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ فِي مُقَدِّمَةِ الْمُعْجِزَاتِ السَّبْعِ، وَإِنِّي لَنْ أَصْمُتَ أَمَامَ تَحَدٍّ صَارِخٍ لِلطَّبِيعَةِ وَصَلَابَةِ الْبَشَرِ.
إِنَّ كُلَّ إِنَاءٍ يَفِيضُ بِمَا فِيهِ، وَهَا هِيَ يَافِعُ تَفِيضُ بِصَلَابَةِ وَقُوَّةِ وَإِخْلَاصِ رِجَالِهَا الَّذِينَ تَحَدَّوُا الطَّبِيعَةَ، وَعَظَّمُوا الْقَدَرَ الَّذِي شَاءَتْ إِرَادَةُ اللهِ أَنْ يَكُونَ، وَشَاءَ الْقَدَرُ.