بقلم / غالب منصور
في الوقت الذي تتصارع فيه القوى السياسية وتتبادل الاتهامات وتتنازع المصالح يقف المواطن اليمني وحيدا في مواجهة حرب من نوع آخر؛ حرب لا تستخدم فيها الصواريخ ولا المدافع لكنها أكثر قسوة وأشد فتكا بحياة الناس إنها حرب الخدمات التي تحولت إلى وسيلة معاناة يومية يدفع المواطن وحده ثمنها من صحته وكرامته ومستقبل أبنائه .
رد وصف لحالة اقتصادية أو خدمية بل أصبح حديثا عن "موت بطيء" يعيشه ملايين المواطنين كل يوم موت للأمل وموت للقدرة على تحمل الأعباء وموت للأحلام التي كانت تراود أجيالًا كاملة في أن ترى وطنها مستقرا وآمنا وقادرا على توفير أبسط حقوق الحيالكهرباء تنطفئ، والمياه تنقطع، والخدمات الصحية تتراجع، والتعليم يترنح، والعملة الوطنية تفقد قيمتها، والأسعار تواصل ارتفاعها بلا رحمة وبين كل هذه الأزمات يقف المواطن البسيط عاجزا عن فهم سبب هذا الانهيار المستمر ومتسائلًا : إلى متى ؟
لم يعد الحديث عن معاناة اليمنيين م
جاة .
المؤلم أن الجميع يتحدث باسم الشعب لكن الشعب ما زال ينتظر من يتحدث لأجله بالفعل الجميع يرفع الشعارات لكن المواطن لا يستطيع أن يشعل منزله بالشعارات، ولا أن يعالج أطفاله بالخطب والبيانات، ولا أن يوفر لقمة العيش لأسرته بالوعود المتكررة .
إن المسؤولية اليوم لا تقع على طرف واحد بل على كل من يمتلك سلطة أو قرارا أو تأثيرا فالأوطان لا تدار بالمزايدات السياسية ولا تبنى بتبادل الاتهامات وإنما بالإحساس بمعاناة الناس والعمل الجاد للتخفيف عنها .
وقد اختصر الرسول صلى الله عليه وسلم مفهوم المسؤولية في قوله : "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" وهي رسالة عظيمة يجب أن يتذكرها كل مسؤول وكل صاحب قرار فالمناصب أمانة، والسلطة تكليف وليست تشريفا، والتاريخ لا يرحم من أهمل حقوق الناس أو تجاهل آلامهم .
ية وحماية كرامة الإنسان وما لم تتحول معاناة الناس إلى أولوية وطنية عاجلة فإن الأزمات ستتفاقم وسيبقى المواطن هو الخاسر الأكبر في معركة لم يخترها لكنه يدفع ثمنها كل يوم ولأن الشعوب قد تصبر طويلًا لكنها لا تنسى من خدمها ولا من خذلها فالتاريخ لا يرحم وسيبقىإن المواطن اليمني لا يطلب المستحيل ولا يبحث عن امتيازات خاصة بل يطالب بحقوقه الطبيعية التي تكفلها كل القوانين والأعراف الإنسانية يريد كهرباء مستقرة، ومياها متوفرة، ومستشفى قادرا على إنقاذ المرضى، ومدرسة تصنع مستقبل الأجيال، واقتصادا يحفظ كرامة الإنسان .
لقد صبر اليمنيون طويلًا وتحملوا فوق طاقتهم لكن استمرار حرب الخدمات يهدد ما تبقى من قدرة المجتمع على الصمود فالجوع لا يعرف السياسة والمرض لا يميز بين الأطراف وانهيار الخدمات يطال الجميع دون استثناء .
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل مسؤول وكل صاحب قرار : إلى متى سيظل المواطن اليمني يدفع وحده فاتورة الأزمات والصراعات ؟ وإلى متى سيستمر هذا الموت البطيء الذي ينهش حياة الناس وأحلامهم ؟
إن أول خطوات بناء الدولة هي توفير الخدمات الأساس السؤال حاضرا أمام الجميع : ماذا قدمتم للمواطن الذي أنهكته الحرب وأرهقه الجوع وأثقلته الأزمات ؟ ومتى تتوقف رحلة الموت البطيء التي يعيشها اليمنيون منذ سنوات ؟