✍🏻: عبدالجبار سلمان
ليست القضية مجرد واقعة اعتداء جنسي على طفل. وليست مجرد ملف جنائي جديد يضاف إلى مئات الملفات التي ضاعت بين أروقة الأجهزة الأمنية والقضائية خلال سنوات الحرب. ما حدث في عدن، وما تلا ذلك من غضب شعبي واسع، يضع المجتمع بأكمله أمام سؤال مصيري من يحمي الأطفال عندما تصبح المؤسسات نفسها موضع شك وتساؤل ؟ الجريمة التي هزت الرأي العام ليست صادمة فقط بسبب بشاعتها، بل لأنها تكشف وجهاً أكثر ظلاماً وخطورة؛ وجهاً يتعلق بوجود بيئة تسمح بتكرار الانتهاكات، وتوفر الحماية أو التساهل أو الصمت تجاه مرتكبيها، وتدفع الضحايا وعائلاتهم إلى الشعور بأن العدالة قد لا تصل أبداً أو قد تصل متأخرة جداً. إن أكثر ما يرعب في هذه القضية ليس ما يقال عن ضحية واحدة، بل ما يتردد عن ضحايا متعددين، وعن نمط متكرر من الاستدراج والابتزاز والاستغلال. فحين تتشابه الروايات وتتكرر التفاصيل وتتداخل الأسماء والوقائع، فإن القضية تتجاوز حدود الفعل الإجرامي الفردي لتتحول إلى قضية رأي عام تتطلب تحقيقاً شاملاً لا يقتصر على الفاعل المباشر فقط، بل يمتد إلى كل من سهل أو تستر أو أهمل أو استغل نفوذه لتعطيل العدالة. لقد عاش اليمنيون خلال سنوات الحرب الطويلة انهياراً متدرجاً لمؤسسات الدولة. لكن أخطر ما أنتجته الحرب لم يكن فقط الدمار الاقتصادي أو الانقسام السياسي، بل تآكل منظومة الرقابة والمحاسبة. ففي المجتمعات التي تنهار فيها المؤسسات، لا يصبح الخطر محصوراً في وجود المجرمين، بل في قدرتهم على الإفلات من العقاب. ولهذا فإن القضية الحالية يجب أن تُقرأ باعتبارها اختباراً حقيقياً لما تبقى من هيبة القانون. "هذا إن وجد مايسمى بالقانون" فإذا كانت أجهزة الدولة قادرة على ملاحقة المتهمين ومحاسبتهم وكشف الحقائق للرأي العام، فإن ذلك سيكون خطوة نحو استعادة الثقة المفقودة. أما إذا انتهت القضية كما انتهت قضايا كثيرة قبلها، بالصمت أو التسويات أو طمس الأدلة أو اختفاء المتورطين، فإن الرسالة التي ستصل إلى المجتمع ستكون كارثية أن الأطفال لا يملكون حماية حقيقية، وأن النفوذ أقوى من القانون. ولعل من أهم الملاحظات التي تستحق التوقف عندها ما أشار إليه الصحفي فتحي بن لزرق حين تحدث عن الاختلالات التي أصابت بعض الأجهزة الأمنية خلال السنوات الماضية. فالمشكلة ليست في وجود جهاز أمني، بل في تسلل عناصر غير مؤهلة أو متورطة في سوابق جنائية أو فساد إلى مواقع يفترض أن تكون مسؤولة عن حماية الناس.
ت المعتدين على الأطفال من العقاب لا يخسر قضية واحدة فقط، بل يخسر جزءاً من مستقبله وأمنه وأخلاقه العامة. لهذا يجب أن تبقى القضية حية حتى تظهر الحقيقة كاملة، وحتى يرى الناس العدالة وهي تتحقق أمام أعينهم، لا في البيانات والخطابات، بل في المحاكم والأحكام والمساءلة العلنية. فالدول لا تُقاس بعدد المؤسسات التي تملكها، بل بقدرتها على حماية أضعف مواطنيها، ومحاكمة اقوى المذنبين فيها.من الضروري هنا التأكيد على حقيقة جوهرية يغفلها كثيرون انتقاد الفساد داخل المؤسسة الأمنية ليس عداءً للأمن. بل العكس تماماً. فالأمن الحقيقي لا يمكن أن يقوم على التستر على المجرمين أو حماية المتنفذين أو إسكات الضحايا. الأمن الحقيقي يقوم على تطبيق القانون بعدالة وعلى حماية الضعفاء قبل الأقوياء. إن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو تحويل القضية إلى مجرد وسم عابر على مواقع التواصل الاجتماعي. فكم من قضية شغلت الرأي العام لأيام ثم اختفت، بينما بقي الضحايا وحدهم يواجهون آثار ما تعرضوا له ؟ وكم من جريمة أثارت موجة غضب ثم انتهت دون محاسبة حقيقية ؟ الأطفال الذين يتعرضون للاعتداء لا يفقدون فقط شعورهم بالأمان، بل يحملون آثار الجريمة معهم لسنوات طويلة. والمجتمع الذي يعجز عن حماية أطفاله أو معاقبة المعتدين عليهم يفقد جزءاً من إنسانيته ومن مستقبله أيضاً.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد القبض على متهم أو إصدار بيانات رسمية أو إطلاق وعود بالتحقيق. المطلوب هو كشف الحقيقة كاملة. من هم جميع المتورطين ؟ هل توجد شبكات استغلال منظمة ؟ هل هناك متسترون أو متواطئون ؟ هل استُخدم النفوذ السياسي أو الأمني لحماية أي شخص ؟ وكيف يمكن ضمان عدم تكرار مثل هذه الجرائم مستقبلاً ؟
هذه الأسئلة لا تخص أسرة الضحية وحدها، ولا تخص مدينة عدن وحدها، بل تخص المجتمع اليمني بأسره. لقد أفرزت الحرب بيئة قاسية دفعت بالفئات الأضعف إلى مقدمة دائرة الخطر. الأطفال والنساء والفقراء والنازحون أصبحوا أهدافاً سهلة للاستغلال في ظل الفوضى وضعف مؤسسات الحماية. وكل يوم يتأخر فيه الإصلاح الحقيقي لهذه المؤسسات هو يوم إضافي يدفع فيه الأبرياء الثمن. إن القضية الحالية تمثل لحظة فاصلة. فإما أن تكون بداية لمسار جديد من المحاسبة والشفافية واستعادة هيبة القانون، وإما أن تتحول إلى محطة أخرى في سجل طويل من الجرائم التي مرت دون عدالة كاملة. ولهذا فإن مسؤولية المجتمع لا تنتهي بالغضب، ولا بالتعليق على مواقع التواصل، ولا بإعادة نشر الأخبار. المسؤولية الحقيقية هي الاستمرار في المطالبة بالحقيقة، ومراقبة مجريات التحقيق، ورفض أي محاولة لطمس الوقائع أو تحويل القضية إلى صراع سياسي أو مناطقي أو حزبي. فالضحية هنا ليس طفلاً واحداً فقط. الضحية هي ثقة الناس بالقانون.
الضحية هي صورة المؤسسات التي يفترض أن تحمي المجتمع. الضحية هي فكرة العدالة نفسها. وأي مجتمع يسمح بإفل
ا